لنفرض أن جامعة أطلقت مشروعاً باسم «التحول الرقمي Digital Transformation» لخدمة طلب كشف الدرجات، فأصبح النموذج الورقي ملف PDF يرسله الطالب بالبريد، ثم اشترت الجامعة بعد سنة نظاماً لمسارات الموافقات، وبعد كل هذا ما زال الطالب ينتظر أسبوعين، والسبب أن الطلب يمر على الأشخاص أنفسهم بالترتيب نفسه، فالتحقق من الرسوم ما زال بالبريد بين قسمين، والعميد ما زال يوقع الكشوف المطبوعة بيده مرتين في الأسبوع. وهذه الصورة تتكرر كثيراً، فالمؤسسة تشتري أنظمة وتعلن مشاريع، ولكن الخدمة نفسها لا تتغير، ولذلك يبدأ هذا المقال من سؤال بسيط: ما الذي يجب أن يتغير حتى نسمي التغيير تحولاً رقمياً؟
المواضيع في السلسلة:
- ما هو التحول الرقمي Digital Transformation فعلاً؟ (الموضوع الحالي)
- منهجية التحول الرقمي: من التقييم إلى خارطة الطريق.
- أدوات التحول الرقمي المفتوحة: من BPMN إلى البيانات.
- التحول الرقمي عملياً: خدمة طلب كشف الدرجات.
وهذه السلسلة تكمل ما بدأناه في معمارية المؤسسة Enterprise Architecture وخريطة القدرات Capability Map ومعمارية المؤسسة في الجهات الحكومية، فتلك المقالات تصف المؤسسة وأنظمتها وتخطط لها، أما هذه السلسلة فتتكلم عن التغيير نفسه: كيف تغير خدمة تقدمها المؤسسة اليوم، وكيف تعرف أنها تحسنت فعلاً.
وسوف نناقش في هذا المقال ما يلي:
- الفرق بين الرقمنة Digitization ورقمنة العمليات Digitalization والتحول الرقمي Digital Transformation، بمثال واحد.
- ما الذي لا يعد تحولاً رقمياً حتى لو حمل اسمه.
- نموذج التشغيل Operating Model، وهو ما يتغير فعلاً في التحول.
- الناس والعمليات والتقنية People, Process, Technology، والبيانات Data تحتها.
- لماذا تتعثر مبادرات التحول، وما الذي تقوله الأرقام المنشورة ومن أين جاءت.
- من يقود التحول، ومن أين تبدأ.
ثلاث كلمات تستخدم كأنها كلمة واحدة
أكثر ما يسبب الخلط في اجتماعات التحول الرقمي Digital Transformation أن ثلاث كلمات مختلفة تستخدم بمعنى واحد، فيظن الفريق أنه أنجز التحول عندما أنجز الخطوة الأولى منه فقط. والصورة التالية تبين الفرق على خدمة طلب كشف الدرجات نفسها:

والجدول التالي يضع الدرجات الثلاث جنباً إلى جنب، مع السؤال الذي تقيس به كل درجة:
| الدرجة | ما الذي يتغير؟ | مثال من خدمة الكشف | كيف تعرف أنك وصلت؟ |
|---|---|---|---|
| الرقمنة Digitization | شكل المعلومة: من ورق إلى ملف أو بيانات | النموذج يصبح PDF، والأرشيف الورقي يمسح ضوئياً | لم يعد هناك ورق، ولكن الخطوات والمدة كما هي |
| رقمنة العمليات Digitalization | الأداة التي ينفذ بها الإجراء نفسه | نموذج إلكتروني ومسار موافقات في نظام | الطلب يتابع من شاشة، والمدة تنقص قليلاً |
| التحول الرقمي Digital Transformation | الخدمة نفسها، والأدوار، والبيانات، والقياس | الكشف يصدر من نظام الطلاب بختم إلكتروني، والموظف للاستثناءات | المدة من أيام إلى دقائق، وعدد من يلمس الطلب يقل، والمؤشر يراجع شهرياً |
وفي الجدول أعلاه لاحظ التالي:
- الدرجات الثلاث ليست بدائل تختار بينها، فالتحول الرقمي يحتاج البيانات الرقمية والأنظمة، ولكنه لا يتوقف عندها.
- الدرجة الثانية هي الأكثر خداعاً، والسبب أن الشاشة الجديدة تعطي إحساساً بالتقدم بينما يبقى الانتظار بين الأقسام كما هو، وهو في الغالب الجزء الأكبر من مدة الخدمة كما سنقيس في المقال الرابع.
- السؤال الذي يفرق بين الدرجات هو «ماذا تغير عند المستفيد؟» وليس «ماذا اشترينا؟».
ما الذي لا يعد تحولاً رقمياً؟
بعض المشاريع تحمل اسم التحول الرقمي Digital Transformation وهي في الحقيقة مشاريع تقنية، ولا عيب في المشروع التقني، ولكن المشكلة أن تقاس النتيجة بغير مقياسها. وفيما يلي أشهر هذه الحالات:
- شراء نظام جديد: النظام أداة، وإذا ركب فوق الإجراء القديم بالخطوات نفسها فقد نقلت الانتظار إلى شاشة أجمل.
- نشر النماذج على الموقع: النموذج القابل للتنزيل ثم الطباعة ثم المسح الضوئي يزيد عمل المستفيد بدلاً من أن ينقصه.
- تطبيق جوال فوق النظام نفسه: قناة جديدة لخدمة لم تتغير، فيرى المستفيد الحالة «قيد المراجعة» على الجوال بدلاً من الموقع.
- الانتقال إلى السحابة Cloud: قرار في البنية التحتية قد يكون صحيحاً، ولكنه لا يغير الخدمة وحده.
- لوحة مؤشرات Dashboard دون قرار: المؤشر الذي لا يملكه أحد ولا يتغير بسببه شيء هو تقرير جميل فقط.
وهل هذا يعني أن هذه المشاريع لا قيمة لها؟ لا، فكل واحد منها قد يكون جزءاً من خارطة طريق التحول، ولكن عليك أن تكتب بجانب كل مشروع ما الذي سيتغير عند المستفيد وكيف ستقيسه، والسبب أن المشروع الذي لا تستطيع كتابة هذا السطر له هو مشروع تقني، فقيمه بمقياس المشاريع التقنية وليس بمقياس التحول.
نموذج التشغيل Operating Model: ما الذي يتغير فعلاً؟
نموذج التشغيل Operating Model هو وصف لكيفية تقديم المؤسسة لخدماتها في الواقع: من يفعل ماذا، وبأي ترتيب، وبأي بيانات وأنظمة، ومن يقرر، وكيف يقاس الأداء. وهو ليس وثيقة تكتب مرة واحدة، وإنما هو ما يحدث كل يوم سواء كتبته أم لم تكتبه، والصورة التالية تبين أجزاءه الستة:

والأجزاء الستة كما يلي:
- الخدمات والقنوات Services and Channels: ما الذي يطلبه المستفيد، ومن أي قناة يطلبه، وهل يحتاج أن يطلبه أصلاً، فبعض الخدمات تختفي في التحول لأن النظام يقدمها دون طلب.
- العمليات Processes: الخطوات ومن ينفذها وأين ينتظر الطلب بينها، وهنا تظهر أغلب المدة الضائعة.
- الناس والأدوار People and Roles: المهارات والصلاحيات، ومن يملك الخدمة كاملة وليس خطوة منها.
- البيانات Data: المصدر الرسمي لكل سجل، فالكشف يجب أن يأتي من نظام معلومات الطلاب SIS وليس من ملف يحدثه موظف.
- التقنية والأنظمة Technology: الأنظمة والتكاملات بينها والبنية التي تعمل عليها.
- الحوكمة والقياس Governance and Metrics: من يوافق على التغيير، ومن أين تأتي الميزانية، وما المؤشر الذي يراجع كل شهر.
وقد يتساءل البعض: أليس هذا عمل معمارية المؤسسة Enterprise Architecture؟ والإجابة أن معمارية المؤسسة تصف الوضع الحالي والمستهدف وتخطط للانتقال بينهما كما شرحنا في مخرجات فريق المعمارية، فهي أداة يستخدمها التحول، أما التحول الرقمي Digital Transformation نفسه فهو تغيير نموذج التشغيل Operating Model فعلاً في خدمة بعد خدمة، وقياس النتيجة بعد التغيير، ولذلك قد تملك المؤسسة معمارية ممتازة على الورق دون أن تتغير خدمة واحدة.
الناس والعمليات والتقنية، والبيانات تحتها
الإطار المعروف باسم الناس والعمليات والتقنية People, Process, Technology يختصر أجزاء نموذج التشغيل Operating Model في ثلاثة أعمدة، ونضيف تحتها البيانات Data لأن الأعمدة الثلاثة تقف عليها، والصورة التالية تبين ما يحدث عندما يرتفع عمود واحد فقط:

وفيما يلي السؤال الذي تسأله في كل جزء قبل أن تبدأ:
| الجزء | السؤال قبل البدء | علامة أن الجزء منسي |
|---|---|---|
| الناس People | من ستتغير وظيفته، وهل يعرف ذلك، وهل دربناه؟ | الموظفون يطبعون الطلب الإلكتروني ليعملوا عليه كما كانوا |
| العمليات Process | أين ينتظر الطلب، وما الخطوة التي يمكن حذفها؟ | النظام الجديد فيه الخطوات القديمة نفسها بالترتيب نفسه |
| التقنية Technology | هل نشتري أم نبني أم نوسع ما لدينا؟ | نظام جديد لكل قسم، ولا يتكلم أحدها مع الآخر |
| البيانات Data | ما المصدر الرسمي لكل سجل، ومن يملكه؟ | الموظف ينسخ البيانات من نظام إلى آخر بيده |
وقرار الشراء أو البناء في سطر التقنية له مقال مستقل هو تشتري أم تبني؟، وأما سطر البيانات فقد شرحنا فكرة السجل الواحد للموظف والعميل في الأنظمة التي يحتاجها كل قسم، وسجل الطالب في أنظمة الجامعة، وهذا هو الأساس الذي يقف عليه مثال السلسلة.
لماذا تتعثر مبادرات التحول؟ ما تقوله الأرقام المنشورة
ستسمع كثيراً أن «70% من مبادرات التحول الرقمي تفشل»، وغالباً دون مصدر، والسبب أن الرقم انتقل من عرض تقديمي إلى آخر حتى نسي أصله. وأقرب مصدر منشور لهذا الرقم استطعنا قراءته هو مقال شركة الاستشارات BCG بعنوان Flipping the Odds of Digital Transformation Success بتاريخ 29 أكتوبر 2020، وهو استبيان من شركة استشارات وليس دراسة علمية محكمة، والصورة التالية تبين نتيجته مع طريقة جمعها:

وفي الأرقام أعلاه لاحظ التالي:
- رقم 70% في المقال معناه أن المبادرة لم تصل إلى الأهداف التي وضعتها الشركة لنفسها، وهو مجموع 44% حققت بعض القيمة و26% حققت أقل من نصف الهدف، فلا تنقله بمعنى «فشلت».
- الطريقة تقييم ذاتي، فالتنفيذي هو من قيم مبادرته على مقياس من 1 إلى 10، والعينة 825 تنفيذياً إضافة إلى خبرة BCG مع 70 شركة من عملائها، والمقال لا يذكر توزيع العينة على القطاعات أو الدول في الجزء الذي قرأناه.
- من ينشر الرقم شركة تبيع خدمات التحول، وهذا لا يجعل الرقم خاطئاً، ولكنه سبب كاف لأن تقرأ طريقته قبل أن تبني عليه قراراً.
والجزء المفيد في المقال ليس النسبة وإنما العوامل الستة التي يقول إنها ترفع فرصة النجاح، وهي كما يلي:
- استراتيجية متكاملة بأهداف واضحة للتحول Integrated Strategy with Clear Transformation Goals.
- التزام القيادة من الرئيس التنفيذي حتى الإدارة الوسطى Leadership Commitment.
- كفاءات عالية في الفريق High-Caliber Talent.
- حوكمة بعقلية Agile تدفع إلى الاستخدام الواسع Agile Governance Mindset.
- متابعة فعالة للتقدم نحو نتائج محددة Effective Monitoring of Progress.
- منصة تقنية وبيانات مرنة يقودها العمل Business-Led Modular Technology and Data Platform.
ويذكر المقال أن معالجة العوامل الستة كلها ترفع نسبة النجاح من 30% إلى 80%، وأن الشركات التي عالجت ثلاثة أو أربعة منها فقط لم تنجح، ولاحظ أن عاملاً واحداً فقط من الستة عن التقنية، والخمسة الباقية عن الاستراتيجية والناس والحوكمة والقياس.
من يقود التحول الرقمي؟
الخطأ الأشهر أن يسلم التحول الرقمي Digital Transformation لإدارة تقنية المعلومات وحدها، والسبب أن الإدارة التقنية تملك الأنظمة ولكنها لا تملك الخدمة ولا قرار تغيير الإجراء ولا أدوار الموظفين في الأقسام الأخرى. والأدوار التي تحتاجها في كل خدمة كما يلي:
| الدور | ما يملكه | أين شرحناه |
|---|---|---|
| مالك الخدمة من جهة العمل | النتيجة عند المستفيد، وقرار تغيير الإجراء | مواءمة أصحاب المصلحة |
| فريق المنتج والتطوير | ما يبنى وترتيبه، وقياس الاستخدام بعد الإطلاق | مهندس المنتج |
| محلل الأعمال والمتطلبات | الإجراء الحالي والمستهدف، والمتطلبات | هندسة المتطلبات |
| فريق معمارية المؤسسة | اتساق الأنظمة والبيانات بين الخدمات | معمارية المؤسسة |
| تقنية المعلومات والمنصة | الأنظمة والتكاملات والتشغيل | هندسة المنصات |
وفي الجهات الحكومية السعودية يضاف إلى ذلك ما تطلبه هيئة الحكومة الرقمية من الجهات في المعايير الأساسية للتحول الرقمي ومؤشر قياس، وقد شرحنا ما يخص البنية المؤسسية منها في مؤشر قياس التحول الرقمي، وسوف نعود إلى المعايير في المقال الثاني.
من أين تبدأ؟ من خدمة واحدة
البداية الأنسب ليست استراتيجية من مئة صفحة ولا نظاماً جديداً، وإنما خدمة واحدة تقيس مدتها اليوم، ثم تغيرها، ثم تقيسها مرة أخرى. والخدمة المناسبة للبداية تجمع الصفات التالية:
- حجم كاف: مئات الطلبات في الشهر، حتى يكون للتحسين أثر يراه الناس.
- ألم واضح: شكاوى أو انتظار يعرفه الجميع، فلا تحتاج إلى إقناع أحد بالمشكلة.
- قابلة للقياس: لها أثر في نظام أو بريد أو سجل، فتستطيع حساب مدتها الحالية.
- مالك متحمس: شخص من جهة العمل يملك الخدمة ويريد تغييرها.
- مخاطرة محدودة: خطؤها لا يوقف المؤسسة، فتتعلم منها قبل الخدمات الحساسة.
وخدمة طلب كشف الدرجات في الجامعة تجمع هذه الصفات، ولذلك سوف نأخذها في المقال الرابع من الرسم الحالي إلى القياس إلى الخدمة المستهدفة وخارطة الطريق.
أخطاء شائعة
- قياس التحول بعدد الأنظمة التي اشتريت أو عدد الخدمات «الإلكترونية»، وليس بما تغير عند المستفيد.
- تسليم التحول لإدارة تقنية المعلومات وحدها دون مالك للخدمة من جهة العمل.
- نقل الإجراء الورقي كما هو إلى نظام، فتبقى الخطوات الزائدة والتوقيعات والانتظار.
- نسيان الموظفين الذين ستتغير أدوارهم، فيقاومون التغيير أو يلتفون عليه.
- بناء الخدمة الجديدة على بيانات منسوخة بدلاً من المصدر الرسمي للسجل.
- نقل نسب «الفشل» دون مصدرها وطريقتها، وبناء قرار عليها.
تدريب عملي
- اختر ثلاثة مشاريع في مؤسستك تحمل اسم التحول الرقمي، وضع كل واحد منها في إحدى الدرجات الثلاث في الجدول الأول، واكتب بجانبه ما الذي تغير عند المستفيد.
- اختر خدمة واحدة بالصفات الخمس في القسم الأخير، واكتب أجزاء نموذج التشغيل الستة لها كما هي اليوم.
الخلاصة
- الرقمنة Digitization تغير شكل المعلومة، ورقمنة العمليات Digitalization تغير الأداة، والتحول الرقمي Digital Transformation يغير الخدمة والأدوار والبيانات والقياس.
- ما يتغير فعلاً في التحول هو نموذج التشغيل Operating Model بأجزائه الستة، وشراء نظام يغير جزءاً واحداً منها.
- الناس والعمليات والتقنية تقف على البيانات، وارتفاع عمود التقنية وحده يعطي شاشة أجمل والانتظار نفسه.
- أشهر رقم عن تعثر التحول جاء من استبيان BCG لعام 2020، ومعناه أن 70% لم تحقق أهدافها كاملة وليس أنها فشلت تماماً، وهو تقييم ذاتي من التنفيذيين.
- ابدأ بخدمة واحدة تقيسها قبل التغيير وبعده، وسوف نبني على ذلك منهجية كاملة في المقال القادم بإذن الله.
سجل التحديثات
- أكتوبر 2026: كتابة المقال، ومراجعة مقال BCG المنشور في 29 أكتوبر 2020 كما هو في 14 أكتوبر 2026.