تمتلك المملكة اليوم إطاراً تنظيمياً واضحاً للبرمجيات الحرة ومفتوحة المصدر (Free and Open Source Software): قواعد ملزمة تقدم المصادر المفتوحة (Open Source) في قرار الشراء، واستراتيجية تربطها بالاقتصاد الرقمي والمحتوى المحلي، ومنصة تجمع البرمجيات الحكومية القابلة لإعادة الاستخدام (Reuse). وقد عرضت تفاصيل هذا الإطار في قراءة سابقة للقواعد والاستراتيجية.
غير أن وجود الإطار لا يجيب عن السؤال الأهم: هل ستصبح المصادر المفتوحة في القطاع الحكومي ثقافة عمل وصناعة وطنية، أم بنداً يستوفى في نماذج الامتثال (Compliance) ثم ينسى؟ في هذا المقال أعرض رؤيتي لما ينتظر هذا المسار في السنوات المقبلة، والتحديات التي ستحدد نجاحه.
لماذا تختلف هذه المرة؟
لا تكفي التوصية وحدها لتغيير سلوك المؤسسات، وهذا ما يميز الإطار السعودي في تقديري، إذ يجمع ثلاثة عناصر نادراً ما تجتمع: قرار شراء ملزم يبدأ بإعادة الاستخدام ويمنح المصادر المفتوحة الأفضلية، وعقود تشترط تسليم الشفرة المصدرية (Source Code) وحقوقاً غير محدودة لإعادة استخدامها، وإدراج التحول ضمن القياس الوطني للتحول الرقمي. وحين يقاس الأداء ويتغير العقد، يتغير السلوك.
ويضاف إلى ذلك أن الاستراتيجية لا تنظر إلى المصادر المفتوحة بوصفها وسيلة لخفض التكاليف فحسب، بل تضع في مقدمة أهدافها الاستقلالية وتنمية المواهب وبناء جيل جديد من الشركات الوطنية. وهذا ما يجعل المسار قضية سيادة تقنية (Technology Sovereignty) لا قضية مشتريات.
ثلاثة تحولات أتوقعها
من شراء الرخص إلى شراء القدرة
سيتحول جزء متزايد من الإنفاق الحكومي على التقنية من رسوم الترخيص (Licensing) إلى الخدمات: التكامل (Integration)، والتشغيل، والتأمين، والدعم، والتطوير المستمر. فالبرمجية مفتوحة المصدر متاحة للجميع، لكن تشغيلها بكفاءة وأمان في بيئة حكومية حساسة يتطلب خبرة. وهنا تنتقل القيمة من امتلاك المنتج إلى امتلاك المعرفة.
صعود شركات وطنية متخصصة في المصادر المفتوحة
تمنح القواعد الأولوية للموردين الوطنيين المؤهلين، وتتحدث الاستراتيجية عن حاضنات ومسرعات وشبكة مواهب. وأتوقع أن نرى شركات سعودية تبني أعمالها على تقديم الدعم المؤسسي (Enterprise Support) لحلول مفتوحة المصدر معروفة، وعلى تطوير منتجات خاصة بالسوق المحلية فوقها، على غرار نماذج الأعمال التي نجحت عالمياً حول المصادر المفتوحة.
المستودع (Repository) الحكومي أصلاً مشتركاً
تظهر قصص النجاح المنشورة أن إعادة الاستخدام بين الجهات بدأت تؤتي ثمارها، إذ حققت أمانة منطقة جازان وحدها وفراً قدره 2,000,000 ريال سعودي، ونشرت خمسة منتجات رقمية في المستودع. ومع تراكم المنتجات، سيتحول المستودع من أرشيف للشفرات إلى رصيد وطني مشترك، تبني عليه الجهات بدلاً من أن تبدأ كل منها من الصفر.
التحديات التي ستحدد النجاح
لا يكفي الإطار التنظيمي وحده، فهناك تحديات عملية سيتوقف عليها الفرق بين تطبيق شكلي وتحول حقيقي:
- فجوة المهارات: تقييم مشروع مفتوح المصدر وتشغيله وتحديثه وتأمينه يتطلب مهارات تختلف عن إدارة عقد ترخيص تجاري. ومن دون تأهيل الفرق، ستبقى الجهات معتمدة على المورد بصورة أخرى.
- الدعم والمسؤولية: تسأل الجهات دائماً: من المسؤول إذا تعطل النظام؟ والإجابة الناضجة هي عقود دعم واضحة مع شركات مؤهلة، لا التخلي عن المصادر المفتوحة.
- الأمن والتحديثات: البرمجية المفتوحة آمنة بقدر ما تحدث وتراجع. والالتزام بضوابط الأمن السيبراني للأنظمة الحساسة يتطلب عمليات مستمرة لمتابعة الثغرات (Vulnerabilities) والتحديث، لا فحصاً واحداً عند التثبيت.
- النشر دون صيانة: من أخطر ما يواجه هذه المبادرات أن تنشر شفرات لا يصونها أحد. فقيمة المستودع في جودة ما فيه وتوثيقه واستمراريته، لا في عدد المنتجات المودعة.
- عودة الارتهان (Vendor Lock-in) من باب آخر: قد تتخلص الجهة من احتكار المنتج لتقع في ارتهان لمكامل (Integrator) واحد يبني حولها حلولاً لا يفهمها غيره. والضمانة هنا هي التوثيق الجيد، والمعايير المفتوحة (Open Standards)، وتسليم الشفرة كاملة كما تشترط القواعد.
ما الذي تحتاجه المنظومة لتنجح؟
أرى أن نجاح هذا المسار يتطلب أربعة أمور تتجاوز النص التنظيمي:
- معرفة عربية عملية: أدلة تقييم وتشغيل وتأمين مكتوبة بالعربية، تخاطب مدير المشتريات ومهندس التشغيل معاً. فمعظم المعرفة المتاحة اليوم بالإنجليزية، وتفترض بيئات تختلف عن البيئة الحكومية المحلية.
- معايير تقييم مشتركة: أسئلة موحدة تطرحها الجهات قبل اعتماد أي مشروع: نوع الترخيص، ونشاط المجتمع، وتاريخ الثغرات، وتوفر الدعم المحلي، وخطة الخروج (Exit Plan).
- مجتمعات حقيقية: مساهمون يطورون ويراجعون ويبلغون عن المشكلات، لا جمهور يستهلك فقط. وتشجيع القواعد للموظفين الحكوميين على المساهمة خطوة مهمة في هذا الاتجاه.
- قياس الأثر لا العدد: أن تقاس الجهات بما وفرته وما أعادت استخدامه وما حسنته من خدمات، لا بعدد المنتجات المنشورة فقط.
دور كل طرف
على الجهات الحكومية أن تتعامل مع المصادر المفتوحة بوصفها قراراً استراتيجياً طويل المدى، فتستثمر في فرقها وتحصر مخزونها وتبدأ بأنظمة منخفضة المخاطر قبل الأنظمة الحرجة. وعلى الموردين أن يعيدوا بناء نماذج أعمالهم حول الخدمة والخبرة، بدلاً من الاعتماد على امتلاك الشفرة. أما المهندسون والمطورون، فأمامهم فرصة مهنية واضحة في إتقان هذه الحلول والمساهمة فيها.
أين يقف عرب رووت؟
أطلقنا عرب رووت لسد جزء من فجوة المعرفة التي تحدثت عنها، بمحتوى عربي يجمع بين الدقة التقنية ووضوح الأثر على الأعمال. وسنخصص مساحة متزايدة لهذا المسار: أدلة عملية لتقييم المشاريع مفتوحة المصدر وتشغيلها، وشروحاً للتراخيص، ومقابلات مع جهات وشركات خاضت التجربة، لتكون التجارب الناجحة والمتعثرة على حد سواء مرجعاً لمن يأتي بعدها.
فالمستقبل الذي ترسمه الاستراتيجية لا يتحقق بقرار وحده، بل بمعرفة تتراكم، وخبرة تنتقل، ومجتمع يبني. وهذا ما نطمح أن نكون جزءاً منه.