البلوكتشين والعملات الرقمية الأدلة التقنية

العملات الرقمية في السعودية: ما تقوله الجهات الرسمية

بيانات هيئة السوق المالية واللجنة الدائمة ووزارة المالية بتواريخها ونصوصها، مع سكربت يتحقق منها بنفسه.

العملات الرقمية في السعودية: ما تقوله الجهات الرسمية

في اجتماع مجلس إدارة منصة العمل الحر جاء السؤال الذي كان الفريق يتوقعه منذ بدأ هذه السلسلة: بعض المستقلين يطلبون أن يستلموا أجورهم بعملة رقمية، وبعض العملاء يعرضون الدفع بها، فهل تفعل المنصة ذلك؟ وما موقف الجهات الرسمية في المملكة؟ أحد الأعضاء قال إنه قرأ في حساب على وسائل التواصل أن الأمر «صار مسموحاً»، وآخر قال إنه «ممنوع تماماً»، وكلاهما لم يذكر مصدراً. فقرر رئيس المجلس أن الجواب لا يكتب من الذاكرة ولا من الحسابات، بل من نصوص الجهات الرسمية نفسها، بتاريخ كل نص، وطلب من الفريق التقني أن يجمعها ويتحقق منها. وهذا المقال هو ما جمعه الفريق.

وهذا المقال تعليمي وتوعوي، ينقل ما نشرته الجهات الرسمية في المملكة بنصه وتاريخه، ولا يقدم استشارة نظامية، ولا يحكم على نشاط بأنه نظامي أو غير نظامي من عنده. فما لم يقله نص رسمي لا نقوله، وما قاله نص رسمي ننقله بتاريخه، لأن المواقف قد تتغير بعده. وأي قرار عمل فعلي يحتاج مستشاراً نظامياً مختصاً والرجوع إلى الجهة الرقابية مباشرة. وهو يكمل ما شرحناه عن الاحتيال في مقال الاحتيال، وعن العملات الرقمية للبنوك المركزية في مقال CBDC.

وسوف نناقش في هذا المقال ما يلي:

  • لماذا نأخذ الموقف من المصدر الرسمي وحده.
  • البيانات الرسمية بتواريخها، ومن أصدرها، وماذا تقول بنصها.
  • المخاطر كما تسميها البيانات، والفرق بين العملات الافتراضية والأوراق المالية المشفرة والعملة الرقمية للبنك المركزي.
  • مختبر يفتح الصفحات الرسمية ويتحقق من تاريخ كل بيان ونصه، ومختبر يفحص إعلاناً ترويجياً مقابل هذه النصوص.
  • كيف يقرر فريق المنصة، وقائمة تحقق.

لماذا المصدر الرسمي وحده؟

في موضوع العملات الرقمية تكثر الأقوال وتقل المصادر. تجد حسابات تؤكد أن الأمر مسموح، وأخرى تؤكد أنه ممنوع، وإعلانات تقول إن منصتها «مرخصة»، ومقالات تترجم أخباراً من دول أخرى وتنسبها إلى المملكة. والمشكلة أن كل هذه الأقوال تبدو واثقة، والواثق لا يعني الصادق. ولذلك وضع الفريق قاعدة بسيطة قبل أن يبدأ: لا نقبل أي معلومة عن الموقف النظامي إلا من صفحة رسمية لجهة حكومية مختصة، ونسجل تاريخ نشرها كما هو مطبوع في الصفحة، وننقل نصها كما هو أو بمعناه القريب، ولا نضيف إليه استنتاجاً لم يقله.

وهناك سبب ثان لهذه القاعدة يعرفه كل من قرأ مقال الاحتيال: المحتالون يستغلون الغموض النظامي. فالإعلان الذي يقول «مرخصة من هيئة السوق المالية» يعتمد على أن القارئ لن يتحقق، والرسالة التي تقول «الأمر صار نظامياً، استثمر الآن» تعتمد على أن الناس لا يعرفون أين يبحثون. ومن يعرف المصدر الرسمي ويعرف كيف يقرؤه يغلق هذا الباب. ولهذا هذا المقال لا يكتفي بنقل الموقف، بل يعلمك كيف تتحقق منه بنفسك، حتى لو تغير بعد كتابته.

والسبب الثالث أن المواقف النظامية تتغير. فالبيان الذي صدر قبل سنوات قد يتبعه بيان آخر، أو تنظيم جديد، أو ترخيص لنشاط لم يكن مرخصاً. ولذلك التاريخ جزء من المعلومة لا تفصيل جانبي: «قالت الجهة كذا في تاريخ كذا» جملة صحيحة دائماً، بينما «الموقف هو كذا» قد تصبح خاطئة غداً. والفريق كتب كل جملة في تقريره بهذه الصيغة، وراجع المصادر في أكتوبر 2026، ونبه المجلس إلى أن أي قرار يجب أن يسبقه تحقق جديد من الصفحات نفسها.

البيانات الرسمية بتواريخها

جمع الفريق البيانات الرسمية التي تخص العملات الرقمية من صفحات هيئة السوق المالية CMA والبنك المركزي السعودي SAMA، ورتبها بتاريخ النشر المطبوع في كل صفحة. والصورة التالية تجمعها:

خط زمني لبيانات الجهات الرسمية عن العملات الرقمية: هيئة السوق المالية في 11/02/2018 تحذر من الاستثمار في العملات الرقمية وطروحاتها الأولية لخسارة رأس المال والاحتيال والتذبذب وأنها خارج نطاق الرقابة، واللجنة الدائمة في 12/08/2018 تقول إن العملات الافتراضية ومنها البيتكوين لا تعد عملات معتمدة وإن مزاعم الترخيص غير صحيحة وإنها خارج المظلة الرقابية، ووزارة المالية في 21/08/2019 تحذر من التعامل بها ومن عملات تدعي صلة بالمملكة أو تستخدم اسم الريال أو الشعار ونشر في موقع ساما، وهيئة السوق المالية في 09/10/2019 تحذر من الأشخاص غير المرخص لهم وتدعو إلى التأكد من نظامية أي جهة، وهيئة السوق المالية في 04/10/2022 تعلن أن مختبر التقنية المالية يستقبل نماذج الأوراق المالية المشفرة Security Token أي أسهم ووحدات صناديق بتقنية السجلات الموزعة لا البيتكوين، واللجنة الدائمة في 13/12/2023 تجدد التحذير من الفوركس والعملات الرقمية غير المرخصة ومن انتحال الشخصيات والمساعدات الوهمية والتوصيات وتدعو إلى إبلاغ الشرطة
ستة بيانات رسمية بين 2018 و2023، وكل جملة في هذا المقال مربوطة بواحد منها وبتاريخه

ولنمر عليها واحداً واحداً، بما تقوله نصاً:

  • هيئة السوق المالية، 11/02/2018: في بيانها أكدت الهيئة أن الاستثمار والمضاربة والمشاركة في الطروحات الأولية للعملات الرقمية تنطوي على مخاطر عالية، منها خسارة رأس المال والاحتيال والتذبذب العالي وضبابية التقييم، إضافة إلى صعوبة حماية المستثمرين لأنها خارج نطاق رقابة المملكة. وذكرت أن كثيراً من المواقع تدعي أنها جهات مرخصة، وتوقع عقوداً وهمية، وتطلب تحويل أموال لجهات غير معروفة.
  • اللجنة الدائمة، 12/08/2018: في بيانها المنشور في موقع الهيئة بعنوان «العملات الرقمية الافتراضية غير معتمدة داخل المملكة.. والتعامل فيها مخاطرة»، حذرت اللجنة من التعامل أو الاستثمار في العملات الرقمية الافتراضية Virtual Currencies لأنها خارج نطاق المظلة الرقابية، وأكدت أن العملات الافتراضية ومنها على سبيل المثال لا الحصر البيتكوين لا تعد عملات معتمدة في المملكة، وأن مزاعم المواقع المروجة بأنها مرخصة من الجهات الرسمية في المملكة غير صحيحة. وتقول النسخة الإنجليزية من البيان إنه لا توجد جهات أو أفراد مرخص لهم بهذه الممارسات من الجهات الرقابية في المملكة.
  • وزارة المالية، 21/08/2019: في بيانها المنشور في موقع البنك المركزي السعودي حذرت الوزارة من التعامل أو الاستثمار في العملات الافتراضية بما فيها العملات المشفرة، وذكرت أنها لا تعد عملات أو أصولاً معتمدة في المملكة، وأنها خارج الإطار التنظيمي ولا يتم تداولها عبر أشخاص مرخص لهم. وتناولت عملات تدعي صلة بالمملكة أو تستخدم اسم العملة الوطنية أو شعار المملكة في التسويق، ونفت أي صلة لها بها، وذكرت أن من يستخدم اسم المملكة أو عملتها أو شعارها لتسويق عملات افتراضية أو رقمية قد يتعرض لإجراءات نظامية من الجهات المختصة.
  • هيئة السوق المالية، 09/10/2019: في بيان «احذروا التعامل مع الأشخاص غير المرخص لهم» حذرت الهيئة من المواقع والاتصالات والرسائل التي تسوق للاستثمار والمتاجرة وجمع الأموال دون تراخيص، وشددت على التأكد من نظامية أي جهة وحصولها على التراخيص اللازمة من الجهات المختصة في المملكة قبل أي تعامل.
  • هيئة السوق المالية، 04/10/2022: في إعلانها بدأت الهيئة استقبال نماذج أعمال التقنية المالية المرتبطة بالأوراق المالية المشفرة Security Token ضمن مختبر التقنية المالية، على أن تنحصر التجربة في الأوراق المالية التي تمثل سمات الأوراق المالية التقليدية، ومنها الأسهم والوحدات الاستثمارية للصناديق، وذلك لدراسة المخاطر وتحديد التوجه التنظيمي. وسنعود إلى هذا البيان لأن فهمه بدقة مهم.
  • اللجنة الدائمة، 13/12/2023: في بيانها جددت اللجنة تحذيرها من الأساليب المبتكرة للترويج لأعمال الفوركس غير المرخص والعملات الرقمية غير المرخصة، ومنها انتحال أسماء وصور شخصيات مهمة، وادعاء تقديم مساعدات مالية، ورسائل تدعي تقديم تحليلات وتوصيات، ودعت إلى عدم التجاوب معها وإبلاغ أقسام الشرطة.

ولاحظ أن الفريق لم يجد في الصفحات الرسمية التي راجعها، حتى تاريخ مراجعة المصادر، بياناً أحدث يغير ما جاء في هذه البيانات عن العملات الافتراضية. وهذه الجملة نفسها مكتوبة بحذر: هي تقول ما وجده الفريق، لا أن الموقف لن يتغير، ولا أنه لا يوجد شيء لم يصل إليه البحث. ولهذا كان المختبر الأول في هذا المقال سكربتاً يعيد هذا التحقق متى شئت.

من يتكلم رسمياً؟

قبل أن نقرأ النصوص بعمق، من المفيد أن نعرف من أصدرها. فأغلب البيانات صادرة عن جهة اسمها اللجنة الدائمة للتوعية والتحذير من نشاط المتاجرة بالأوراق المالية في سوق العملات الأجنبية (الفوركس) غير المرخص، وهي لجنة شكلت بأمر سام، ترأسها هيئة السوق المالية. والصورة التالية تبين تشكيلها كما ذكره بيانها الأخير:

مخطط تشكيل اللجنة الدائمة للتوعية والتحذير: ترأسها هيئة السوق المالية CMA، وتضم في عضويتها البنك المركزي السعودي ووزارة الداخلية ووزارة الإعلام ووزارة التجارة، ووزارة المالية خارج عضويتها ولكنها أصدرت بياناً مستقلاً في 2019، ومهمة اللجنة التوعية والتحذير من نشاط الفوركس غير المرخص وتسويق العملات الرقمية غير المرخصة بجميع أسمائها ومشتقاتها والتنسيق مع الجهات الحكومية للحد منها، والجهات الرقابية تتابع الممارسات المشبوهة وتتعامل معها وفق الأنظمة
لجنة واحدة ترأسها هيئة السوق المالية وتجمع الجهات المعنية، فبياناتها تمثل أكثر من جهة

وتشكيل اللجنة يفسر قوة بياناتها: فهي لا تمثل جهة واحدة، بل تجمع الجهة الرقابية على السوق المالية، والبنك المركزي الذي يشرف على النقد والمدفوعات، ووزارة الداخلية التي تتولى الجانب الأمني، ووزارة الإعلام التي تتعامل مع الإعلانات، ووزارة التجارة. ويذكر بيان 2023 أن مهمة اللجنة التوعية والتحذير من نشاط الفوركس غير المرخص وتسويق العملات الرقمية غير المرخصة بجميع أسمائها ومشتقاتها، والتنسيق مع الجهات الحكومية للحد منها. ويذكر بيان 2018 أن اللجنة تنسق مع الجهات المعنية للتبليغ عن التسويق لهذه الأنشطة عبر المواقع الرسمية للبنك المركزي وهيئة السوق المالية.

ولاحظ تفصيلاً صغيراً في الأسماء: بيان 2018 يذكر «مؤسسة النقد العربي السعودي» و«وزارة التجارة والاستثمار»، وبيان 2023 يذكر «البنك المركزي السعودي» و«وزارة التجارة». فالأسماء تغيرت بين البيانين، والجهة نفسها. وهذا مثال صغير على أهمية التاريخ: من يقرأ بياناً قديماً دون تاريخه قد يظن أنه يتكلم عن جهات مختلفة، ومن يعرف التاريخ يفهم أن الأسماء تتبع زمنها.

أما وزارة المالية فليست في عضوية اللجنة كما يذكرها بيان 2023، ولكنها أصدرت بيانها الخاص في 2019 ونشر في موقع البنك المركزي السعودي، وكان موضوعه الأبرز العملات التي تدعي صلة بالمملكة أو تستخدم اسم الريال أو شعار المملكة. وهذا يعلمنا شيئاً عن قراءة المصادر: البيان المنشور في موقع جهة قد يكون صادراً عن جهة أخرى، فالمهم أن تقرأ اسم الجهة المصدرة داخل النص، لا اسم الموقع فقط.

ماذا تقول النصوص بالضبط؟

حين قرأ الفريق البيانات كلها، وجد أن جملاً قليلة تحمل أغلب المعنى، فجمعها في تقرير المجلس، كل جملة بمصدرها:

  • عن صفة العملات الافتراضية: العملات الافتراضية ومنها البيتكوين «لا تعد عملات معتمدة في المملكة»، كما جاء في بيان اللجنة الدائمة في 12/08/2018. وبيان وزارة المالية في 2019 يقول إنها لا تعد عملات أو أصولاً معتمدة في المملكة.
  • عن الرقابة: التعامل فيها «خارج نطاق المظلة الرقابية» داخل المملكة، كما جاء في بيان 2018، ولا يتم التداول بها من خلال أشخاص مرخص لهم في المملكة.
  • عن مزاعم الترخيص: مزاعم المواقع المروجة بأنها مرخصة من الجهات الرسمية في المملكة «غير صحيحة»، كما جاء في البيان نفسه.
  • عن اسم المملكة ورموزها: استخدام اسم المملكة أو عملتها أو شعارها لتسويق عملات افتراضية قد يعرض صاحبه لإجراءات نظامية، كما جاء في بيان وزارة المالية 2019.
  • عن الاحتيال: عقود وهمية، وطلب تحويل أموال لجهات غير معروفة، وانتحال الشخصيات، والمساعدات الوهمية، والتوصيات المزعومة، كما جاء في بيانات 2018 و2023، مع الدعوة إلى إبلاغ الشرطة.
  • عن الأوراق المالية المشفرة: هيئة السوق المالية تستقبل نماذج أعمالها ضمن مختبر التقنية المالية لدراسة مخاطرها، كما جاء في إعلان 04/10/2022.

ولاحظ ما فعله الفريق هنا: نقل ما تقوله النصوص، ولم يحوله إلى حكم من عنده. فالنص يقول «غير معتمدة» و«خارج المظلة الرقابية» و«لا يتم التداول بها من خلال أشخاص مرخص لهم»، والفريق نقل هذه العبارات كما هي. ولم يكتب في تقريره كلمة «ممنوع» ولا كلمة «مسموح»، لأن أياً منهما حكم نظامي يحتاج نصاً صريحاً ومستشاراً مختصاً، والنصوص التي بين يديه تحذيرات وتوصيفات، لا فتاوى نظامية في كل حالة. وهذا الانضباط في اللغة هو ما يجعل التقرير موثوقاً: كل جملة فيه يمكن أن يتتبعها القارئ إلى مصدرها.

المخاطر كما تسميها البيانات

البيانات الرسمية لم تكتف بالتحذير، بل سمت المخاطر التي تحذر منها، وهذه المخاطر تتقاطع مع كل ما شرحناه في مقالات هذه المرحلة. والصورة التالية تجمعها:

مخطط للمخاطر كما تسميها البيانات الرسمية: خارج المظلة الرقابية فلا جهة رقابية تحمي المتعامل ولا يتم التداول بها عبر أشخاص مرخص لهم، وخسارة رأس المال، والنصب والاحتيال بمواقع تدعي الترخيص وعقود وهمية وطلب تحويل أموال لجهات غير معروفة، والتذبذب وضبابية التقييم، ومخاطر تشغيلية باحتمال الاختراق الإلكتروني، ومحدودية المعلومات المتاحة للمستثمر، وشبهة الاستخدام في تعاملات مالية غير مشروعة، وانتحال اسم المملكة ورموزها الذي قد يعرض لإجراءات نظامية
ثمانية مخاطر تسميها البيانات الرسمية بنصها، وأغلبها رأيناه بالتجربة في مقالات سابقة

وما يلفت الفريق أن هذه المخاطر ليست كلاماً نظرياً، فقد رأى أغلبها بالتجربة في مقالات هذه السلسلة. فالتذبذب رأيناه في مقال الشراء والبيع، والاختراق رأيناه في مقال أمن العقود الذكية حين أفرغ عقد مصاب بثغرة إعادة الدخول، والاحتيال رأيناه في مقال الاحتيال حين أفرغت مصفاة محفظة بتوقيع واحد، وسقوط منصة تحفظ أموال العملاء رأيناه في قصة FTX في مقال الحفظ. فالبيانات الرسمية تلخص بلغة التحذير ما رأيناه بلغة الكود.

ولكن خطر «خارج المظلة الرقابية» يستحق وقفة خاصة، لأنه أقلها وضوحاً لمن لم يتعامل مع الأنظمة المالية. المقصود أن من يتعامل في نشاط مرخص، كالأسهم عبر شخص مرخص له من هيئة السوق المالية، يتمتع بحماية يوفرها الإطار الرقابي: قواعد إفصاح، وفصل لأموال العملاء، وجهة يشتكي إليها، ورقابة على سلوك الوسيط. أما من يتعامل خارج هذه المظلة فلا يملك شيئاً من ذلك، فإذا سقطت المنصة أو احتالت عليه، لم يجد جهة رقابية تحمي حقه كما في النشاط المرخص. وهذا يربط بما قلناه في مقال الحفظ: الحفظ لدى منصة دون إطار يلزمها بفصل أموال العملاء يعني أن أموالك قد تذوب مع ديونها.

لماذا تحذر البيانات؟ أسبابها بنصها

من السهل أن يفسر الناس موقف أي جهة رسمية بأسباب من عندهم، فيقول بعضهم إنه خوف من الجديد، ويقول آخرون إنه حماية لمصالح معينة. والفريق التزم في تقريره بقاعدة واحدة هنا أيضاً: الأسباب التي نذكرها هي الأسباب التي ذكرتها البيانات نفسها، لا ما نتخيله. وحين قرأ النصوص وجد أنها تعلل تحذيرها بأربعة أسباب صريحة.

السبب الأول حماية المتعامل: البيانات تكرر أن هذه التعاملات خارج المظلة الرقابية، وأن ذلك يصعب حماية المستثمرين، وأن المعلومات المتاحة عنها محدودة، وأن المستثمر الفرد يصعب عليه فهم مخاطرها. فالتحذير هنا موجه إلى الفرد الذي قد يخسر ماله دون جهة تحميه. والسبب الثاني الاحتيال: البيانات تصف بالتفصيل مواقع تدعي الترخيص، وعقوداً وهمية، وطلبات تحويل لجهات غير معروفة، وانتحال شخصيات، وهي الأنماط نفسها التي شرحناها في مقال الاحتيال.

والسبب الثالث الاستخدام غير المشروع: بيان اللجنة في 2018 يذكر «شبهة استخدامها كوسيلة لتعاملات مالية غير مشروعة ومحظورة نظاماً». وهذا يربط بما شرحناه في مقال معرفة العميل KYC عن أهمية معرفة مصدر الأموال ووجهتها في الأنظمة المالية. والسبب الرابع حماية اسم المملكة ورموزها: بيان وزارة المالية في 2019 جاء بسبب عملات تدعي صلة بالمملكة أو تستخدم اسم عملتها أو شعارها في التسويق، فنفت الوزارة أي صلة، وذكرت أن من يفعل ذلك قد يتعرض لإجراءات نظامية.

ولاحظ أن هذه الأسباب الأربعة كلها مذكورة في النصوص، ولم يحتج الفريق أن يضيف إليها شيئاً. ومن يقرأ تحليلات على وسائل التواصل تنسب إلى الجهات دوافع أخرى، فليسأل: أين قالت الجهة ذلك؟ فإن لم يجد نصاً، فهو رأي صاحب التحليل، لا موقف الجهة.

ثلاثة أشياء مختلفة تحت اسم «رقمي»

أكثر خطأ رآه الفريق في النقاش العام هو الخلط بين ثلاثة أشياء مختلفة تماماً لأن كلها توصف بأنها «رقمية» أو «مشفرة». والفرق بينها جوهري في الموقف الرسمي:

الشيءما هوما يقوله المصدر الرسمي
العملات الافتراضية Virtual Currencies، مثل البيتكوينعملات تصدرها شبكات لا جهة، كما شرحنا في مقالات المرحلةبيان اللجنة الدائمة 2018: لا تعد عملات معتمدة في المملكة، وخارج المظلة الرقابية
الأوراق المالية المشفرة Security Tokenأسهم أو وحدات صناديق مسجلة بتقنية السجلات الموزعة DLTهيئة السوق المالية 2022: تستقبل نماذجها ضمن مختبر التقنية المالية لدراسة مخاطرها
العملة الرقمية للبنك المركزي CBDCعملة يصدرها البنك المركزي نفسه بالتزامهالبنك المركزي السعودي جرب مشروع عابر مع مصرف الإمارات المركزي، كما في مقال CBDC

والنقطة الدقيقة في الصف الثاني: إعلان هيئة السوق المالية في 2022 عن الأوراق المالية المشفرة لا يتكلم عن البيتكوين ولا عن العملات الافتراضية، بل عن أوراق مالية تقليدية، أسهم ووحدات صناديق، تسجل بتقنية مختلفة. والإعلان نفسه يقول إن التجربة «ستنحصر على الأوراق المالية التي تمثل سمات الأوراق المالية التقليدية». فمن يقرأ عنوان الإعلان ويستنتج أن «هيئة السوق المالية فتحت الباب للعملات المشفرة» قرأ العنوان ولم يقرأ النص. وهذا الخلط تحديداً هو ما يستغله المروجون: يأخذون خبراً صحيحاً عن شيء، وينسبونه إلى شيء آخر.

وكذلك الصف الثالث: تجربة البنك المركزي السعودي في مشروع عابر كانت لعملة رقمية يصدرها بنك مركزي لأغراض التسوية بين البنوك، كما شرحنا في مقال CBDC، ولا تعني شيئاً عن موقف البنك المركزي من البيتكوين أو العملات المستقرة الخاصة. فالتقنية المتشابهة لا تعني الحكم المتشابه، والسؤال الصحيح دائماً: من يصدر هذا الشيء، ومن يلتزم بقيمته، وما الذي قالته الجهة المختصة عنه تحديداً؟

المختبر الأول: التحقق من المصدر بنفسك

أراد الفريق أن يكون تقريره قابلاً للتحقق، لا أن يطلب من المجلس أن يثق به. فكتب سكربتاً صغيراً بلغة Python يفتح كل صفحة رسمية نفسها، ويقرأ تاريخ النشر المطبوع فيها، ويتأكد أن العبارة التي ينقلها التقرير موجودة في الصفحة فعلاً. والملف 01-official-sources.py، وجوهره كما يلي:

PAGES = [
  ("CMA",       "https://cma.gov.sa/en/MediaCenter/PR/Pages/DC1.aspx",
                "risk of capital loss and fraud"),
  ("Committee", "https://cma.gov.sa/MediaCenter/PR/Pages/Virtual_Currencies.aspx",
                "لا تعد عملات معتمدة في المملكة"),
  # ... the other official pages
]
for who, url, phrase in PAGES:
    t = text_of(url)      # fetch with normal TLS verification, strip tags and Arabic diacritics
    m = re.search(r"(?:Publishing Date|نشرت بتاريخ)\s*:?\s*(\d{2}/\d{2}/\d{4})", t)
    found = "quote found" if phrase in t else "QUOTE MISSING"
    print(who, m.group(1) if m else "date not printed", found, url)

نشغله في Container مؤقت:

docker run --rm -v "$PWD:/lab" -w /lab python:3.13-slim python 01-official-sources.py

والمخرج سوف يكون كما يلي:

CMA        11/02/2018       quote found    cma.gov.sa/.../DC1.aspx
Committee  12/08/2018       quote found    cma.gov.sa/.../Virtual_Currencies.aspx
Committee  12/08/2018       quote found    cma.gov.sa/.../Virtual_Currencies.aspx
MOF/SAMA   could not open   URLError       www.sama.gov.sa (open it in a browser)
CMA        09/10/2019       quote found    cma.gov.sa/.../Warning.aspx
CMA        04/10/2022       quote found    cma.gov.sa/.../security_token.aspx
Committee  13/12/2023       quote found    cma.gov.sa/.../FOREX-.aspx

في المخرج أعلاه لاحظ التالي:

  • ست صفحات رسمية فتحت، وطبعت كل منها تاريخ نشرها، ووجد السكربت فيها العبارة التي ينقلها التقرير بنصها. فالتقرير لم ينقل شيئاً غير موجود.
  • بيان اللجنة الدائمة يظهر مرتين، بالعربية والإنجليزية، وكلاهما بتاريخ 12/08/2018، والعبارة موجودة في النسختين.
  • صفحة البنك المركزي السعودي لم تفتح من السكربت، والسبب ليس أن الصفحة غير موجودة، بل أن الخادم لا يرسل سلسلة الشهادات كاملة، فترفضه مكتبات البرمجة التي تتحقق بدقة، بينما يفتحه المتصفح لأنه يكمل السلسلة بنفسه. والحل الصحيح أن تفتح الصفحة في المتصفح وتقرأها، لا أن تطفئ التحقق من الشهادة في السكربت، فإطفاء التحقق يفتح باباً لانتحال الصفحة نفسها، وهذا بالضبط ما لا نريده في مقال عن التحقق.

والصورة التالية تجمع النتيجة:

جدول مخرج سكربت التحقق من المصدر: هيئة السوق المالية 11/02/2018 العبارة موجودة في DC1، واللجنة الدائمة 12/08/2018 العبارة موجودة في صفحة Virtual_Currencies بالإنجليزية والعربية، ووزارة المالية في موقع ساما لم تفتح من السكربت بخطأ URLError وتفتح في المتصفح، وهيئة السوق المالية 09/10/2019 العبارة موجودة في Warning، وهيئة السوق المالية 04/10/2022 العبارة موجودة في security_token، واللجنة الدائمة 13/12/2023 العبارة موجودة في FOREX، وفي الأسفل أن ست صفحات رسمية تؤكد العبارة والتاريخ آلياً وصفحة البنك المركزي ترفض السكربت لخلل في سلسلة الشهادات فتفتح في المتصفح دون تجاوز التحقق
كل عبارة في التقرير موجودة في صفحتها الرسمية بتاريخها، والصفحة التي رفضت السكربت تقرأ في المتصفح

وقيمة هذا السكربت للمجلس ليست في نتيجته اليوم، بل في أنه يعاد تشغيله غداً. فإذا تغيرت صفحة، أو حذف بيان، أو نشر بيان جديد، فإن تشغيل السكربت قبل أي قرار يكشف التغيير. والفريق أضاف إلى قائمة الصفحات خانة لكل صفحة جديدة يجدها، فصار التقرير وثيقة حية تتجدد بالتحقق، لا مقالة تتقادم.

وهناك تحسين صغير اقترحه أحد المطورين في الفريق: أن يحفظ السكربت نسخة من نص كل صفحة في كل تشغيل، ثم يقارن النص الجديد بالقديم، فإذا تغيرت الصفحة أظهر الفرق. فالصفحات الرسمية قد تعدل بعد نشرها، وبعضها يطبع «تاريخ آخر تعديل» إلى جانب تاريخ النشر، كما في بيان اللجنة الإنجليزي الذي يذكر تعديلاً في 09/09/2018. ومقارنة النصوص بين تشغيلين تكشف هذا التعديل حتى لو لم يتغير العنوان. وهذا تطبيق بسيط لفكرة يعرفها كل مهندس: لا تعتمد على أن أحداً سيخبرك بالتغيير، بل اجعل نظامك يكتشفه.

المختبر الثاني: فحص إعلان ترويجي

بعد أن جمع الفريق النصوص، أراد أن يجعلها أداة عملية للمستخدمين. فكتب سكربتاً ثانياً يأخذ نص إعلان ترويجي، ويبحث فيه عن عبارات تكررت في البيانات الرسمية كعلامات تحذير، ويعرض بجانب كل عبارة البيان الرسمي الذي يتناولها. والملف 02-claim-check.py:

RULES = [
  (r"مرخص[ةه]? من (هيئة السوق المالية|البنك المركزي|ساما)",
   "Committee 12/08/2018: claims by promoting sites that they are licensed by official bodies in the Kingdom are untrue"),
  (r"(ربح|عائد|أرباح) (مضمون|ثابت)|ثراء سريع",
   "Committee 12/08/2018 and CMA 09/10/2019: promises of quick wealth are a warning sign"),
  (r"حوّل|حول المبلغ|حساب (شخصي|خاص)",
   "Committee 12/08/2018: fictitious contracts and requests to transfer funds to unknown parties"),
  # ... impersonation and recommendations rules from the 13/12/2023 statement
]

جربه الفريق على إعلان تعليمي مصطنع لا يخص أي جهة حقيقية:

docker run --rm -v "$PWD:/lab" -w /lab -e PYTHONIOENCODING=utf-8 python:3.13-slim python 02-claim-check.py

والمخرج سوف يكون كما يلي:

  claim: «مرخصة من هيئة السوق المالية»
     -> Committee 12/08/2018: claims by promoting sites that they are licensed by official bodies in the Kingdom are untrue
  claim: «أرباح مضمون»
     -> Committee 12/08/2018 and CMA 09/10/2019: promises of quick wealth are a warning sign
  claim: «حول المبلغ»
     -> Committee 12/08/2018: fictitious contracts and requests to transfer funds to unknown parties
  claim: «مشهور»
     -> Committee 13/12/2023: impersonating important figures and claiming financial aid
  claim: «توصيات»
     -> Committee 13/12/2023: messages claiming trading analysis and recommendations

5 claims contradicted by official statements. verify the licence on the regulator's own site.

في المخرج أعلاه، إعلان من سطرين حمل خمس عبارات تتناولها البيانات الرسمية بالاسم: ادعاء الترخيص، والأرباح المضمونة، وطلب التحويل إلى حساب خاص، والخبير المشهور، والتوصيات اليومية. ولاحظ أن الأداة لا تحكم على الإعلان بأنه احتيال، بل تقول «هذه العبارة تناولها بيان رسمي بتاريخ كذا، فتحقق». والصورة التالية تجمع النتيجة:

مخطط مخرج سكربت فحص الإعلان: إعلان تعليمي مصطنع يقول فرصة حصرية منصة تداول بيتكوين مرخصة من هيئة السوق المالية أرباح مضمونة 30% شهرياً مع توصيات يومية من خبير مشهور حول المبلغ إلى حساب خاص، وخمس عبارات مقابل البيانات: مرخصة من هيئة السوق المالية مقابل بيان اللجنة 12/08/2018 أن مزاعم الترخيص غير صحيحة، وأرباح مضمونة مقابل وعود الثراء السريع في بياني 2018 و2019، وحول المبلغ إلى حساب خاص مقابل العقود الوهمية وطلب تحويل الأموال لجهات غير معروفة، وخبير مشهور مقابل انتحال الشخصيات في بيان 13/12/2023، وتوصيات يومية مقابل رسائل التوصيات المزعومة في البيان نفسه، والخطوة التالية افتح موقع الجهة الرقابية بنفسك وابحث عن الترخيص هناك وأبلغ الشرطة
خمس عبارات في سطرين، وكل واحدة منها تناولها بيان رسمي بتاريخه

وحدود هذه الأداة مهمة بقدر نتيجتها. فهي تبحث عن أنماط لغوية، فقد تفوتها صياغة جديدة، وقد تلتقط كلمة بريئة في سياق آخر. ولذلك لا تصلح حكماً نهائياً، بل تصلح أداة توعية: تعلم المستخدم أن العبارات التي يراها في الإعلانات ليست جديدة، وأن الجهات الرسمية حذرت منها بالاسم. والخطوة الحاسمة بعد أي تنبيه لا تقوم بها الأداة: أن تفتح موقع الجهة الرقابية بنفسك وتبحث عن الترخيص هناك، مثل قائمة الأشخاص المرخص لهم في هيئة السوق المالية، لا في شهادة يرسلها المروج.

ما الذي لم نجده؟

التقرير الأمين يذكر ما لم يجده كما يذكر ما وجده، لأن الفراغ في المصادر معلومة بحد ذاته، ولأن ملء الفراغ بالتخمين هو بالضبط ما يفعله المروجون. وحين أنهى الفريق بحثه في صفحات هيئة السوق المالية والبنك المركزي السعودي، سجل في تقريره ثلاثة أشياء بحث عنها ولم يجدها في الصفحات التي راجعها، حتى تاريخ مراجعة المصادر.

الأول: لم يجد بياناً رسمياً أحدث من بيان اللجنة الدائمة في 13/12/2023 يتناول العملات الافتراضية، ولا بياناً يغير وصفها في بيانات 2018 و2019. والثاني: لم يجد في الصفحات التي راجعها قائمة بجهات مرخص لها بتداول العملات الافتراضية، وهذا يتسق مع ما قاله بيان 2018 عن عدم وجود جهات مرخص لها بهذه الممارسات، ولكنه لا يغني عن البحث في موقع الجهة الرقابية عند أي قرار. والثالث: لم يتناول المقال أسئلة الزكاة والضريبة والمحاسبة على من يملك عملات افتراضية، لأن الفريق لم يبحث فيها في مصادرها المختصة، ولا يريد أن يجيب عنها من بيانات لم تكتب لها.

ولاحظ صيغة هذه الجمل: «لم يجد في الصفحات التي راجعها»، لا «لا يوجد». فالفرق بين الصيغتين هو الفرق بين تقرير يعرف حدوده وتقرير يدعي الإحاطة. والفريق نبه المجلس صراحة إلى أن البحث في المواقع الرسمية ليس بحثاً كاملاً في كل ما صدر، وأن المستشار النظامي والجهة المختصة هما من يملكان الصورة الكاملة.

كيف تقرأ بياناً رسمياً؟

من هذه التجربة خرج الفريق بطريقة لقراءة أي بيان رسمي، تصلح لهذا الموضوع ولغيره. فالبيان ليس عنواناً تقرؤه وتمضي، بل نص له خمسة عناصر يجب أن تقرأها كلها:

  1. من أصدره؟ اسم الجهة داخل النص، لا اسم الموقع. فبيان وزارة المالية منشور في موقع البنك المركزي، وبيان اللجنة منشور في موقع الهيئة.
  2. متى؟ تاريخ النشر المطبوع في الصفحة، وتاريخ آخر تعديل إن وجد. فالبيان يصف الموقف في تاريخه، وما بعده يحتاج تحققاً.
  3. عن ماذا تحديداً؟ العملات الافتراضية، أم الأوراق المالية المشفرة، أم الفوركس، أم الطروحات الأولية. فالخلط بين الموضوعات أكثر أخطاء القراءة شيوعاً.
  4. ماذا يقول بنصه؟ العبارات نفسها، لا ملخصها في حساب على وسائل التواصل. فالفرق بين «غير معتمدة» و«ممنوعة» فرق في المعنى النظامي.
  5. ماذا يطلب؟ كثير من البيانات تختم بطلب عملي: التأكد من الترخيص، أو عدم التجاوب، أو إبلاغ الشرطة. وهذا الطلب هو الجزء الذي تعمل به.

ولنطبقها على مثال من قصتنا. العضو الذي قال في الاجتماع إن الأمر «صار مسموحاً» أرسل بعدها رابط ما قرأه، فإذا هو حساب على وسائل التواصل يقتبس عنوان إعلان هيئة السوق المالية عن الأوراق المالية المشفرة في 2022. فالعنصر الأول، الجهة، صحيح في أصله، والعنصر الثاني، التاريخ، غائب من الاقتباس، والعنصر الثالث، الموضوع، هو موضع الخطأ: الإعلان عن أوراق مالية تقليدية بتقنية جديدة، والحساب نسبه إلى العملات المشفرة عموماً. وبخمسة أسئلة تبين أن الخبر الذي بدا واثقاً قراءة خاطئة لنص صحيح.

ومن طبق هذه العناصر الخمسة على كل خبر يقرؤه عن العملات الرقمية في المملكة، سيكتشف أن كثيراً من الأخبار المتداولة تسقط عند العنصر الأول أو الثالث: إما أنها لا تذكر جهة مصدرة، أو تنسب إلى جهة كلاماً عن موضوع لم تتكلم عنه. والمهندس معتاد على هذه الطريقة في عمله: لا يقبل وثيقة تقنية دون أن يعرف إصدارها وتاريخها ونطاقها، والوثائق النظامية تستحق القدر نفسه من الدقة.

أسئلة شائعة، وأجوبتها من النصوص

جمع الفريق الأسئلة التي سمعها من المستخدمين والمجلس، وأجاب عن كل منها من النصوص وحدها، وحيث لا يجيب النص قال ذلك صراحة:

  • هل البيتكوين عملة معتمدة في المملكة؟ بيان اللجنة الدائمة في 12/08/2018 يقول إن العملات الافتراضية ومنها البيتكوين لا تعد عملات معتمدة في المملكة، وبيان وزارة المالية في 2019 يقول إنها لا تعد عملات أو أصولاً معتمدة.
  • رأيت منصة تقول إنها مرخصة في المملكة لتداول العملات الرقمية، هل هذا صحيح؟ بيان 2018 يقول إن مزاعم المواقع المروجة بأنها مرخصة من الجهات الرسمية غير صحيحة، وإنه لا توجد جهات مرخص لها بهذه الممارسات. والتحقق الصحيح اليوم أن تبحث عن اسم الجهة في موقع الجهة الرقابية نفسها، لا أن تصدق ادعاءها أو شهادة ترسلها.
  • هل إعلان هيئة السوق المالية عن الأوراق المالية المشفرة يعني السماح بالعملات المشفرة؟ الإعلان يقول إن التجربة تنحصر في الأوراق المالية التي تمثل سمات الأوراق المالية التقليدية، كالأسهم ووحدات الصناديق، ضمن مختبر التقنية المالية، فهو عن أوراق مالية بتقنية جديدة لا عن العملات الافتراضية.
  • رأيت «ريالاً رقمياً» أو عملة تحمل شعار المملكة، هل هي رسمية؟ بيان وزارة المالية في 2019 نفى أي صلة للمملكة بعملات افتراضية تستخدم اسم عملتها أو شعارها في التسويق، وذكر أن من يفعل ذلك قد يتعرض لإجراءات نظامية. والعملة الرقمية للبنك المركزي، إن صدرت يوماً، سيعلنها البنك المركزي نفسه في موقعه.
  • خسرت مالاً مع جهة تروج للعملات الرقمية، ماذا أفعل؟ بيان اللجنة الدائمة في 13/12/2023 يدعو إلى عدم التجاوب مع هذه الجهات وإبلاغ أقسام الشرطة. ومقال الاحتيال يشرح التوثيق الذي تحتاجه قبل الإبلاغ، ويحذر من عروض «استرداد الأموال» مقابل رسوم.
  • هل يمكن أن يتغير هذا الموقف؟ البيانات تصف الموقف في تاريخها، والمواقف النظامية قد تتغير بأنظمة أو بيانات جديدة. ولا يملك الفريق، ولا هذا المقال، أن يتوقع ما لم يعلن. والطريق الوحيد لمعرفة الجديد هو الصفحات الرسمية نفسها.
  • هل يمنع النص المطور من تعلم البلوكتشين أو بناء تطبيقات عليه؟ البيانات التي راجعناها تتكلم عن التعامل والاستثمار في العملات الافتراضية والترويج لها، ولم يجد الفريق فيها نصاً عن التعلم أو تطوير البرمجيات. وأي نشاط تجاري محدد يحتاج رأياً نظامياً مختصاً، لا استنتاجاً من بيانات تحذيرية.

ماذا يعني هذا للمستقل والمطور؟

المجلس لم يكن الوحيد الذي يحتاج هذه الصورة. فالمستقلون على المنصة يتلقون أحياناً عروضاً من عملاء خارج المنصة للدفع بعملة رقمية، والمطورون يتلقون عروض عمل من مشاريع بلوكتشين خارجية. وما يقوله الفريق لهؤلاء مبني على ما تقوله النصوص وعلى ما تعلمناه في المرحلة كلها، لا على حكم نظامي من عنده.

للمستقل الذي يعرض عليه الدفع بعملة رقمية: البيانات الرسمية تصف هذه العملات بأنها غير معتمدة وخارج المظلة الرقابية، وتنبه إلى مخاطر الاحتيال والخسارة. وعملياً، رأينا في مقال الشراء والبيع أن تحويل العملة الرقمية إلى ريال يمر بمنصات ورسوم وتقلب، وفي مقال الاحتيال أن «العميل» الذي يصر على الدفع بعملة رقمية علامة تحذير بذاتها. فالمستقل الحذر يطلب الدفع عبر القنوات المعتادة، ويعامل الإصرار على العملة الرقمية كسؤال يحتاج جواباً قبل أي عمل، ويستشير مختصاً إن كان الأمر يتكرر في عمله.

وللمطور الذي يتعلم هذه التقنية أو يعمل عليها: ما شرحناه في هذه المرحلة من عقود ذكية وأدوات وأمن معرفة تقنية، والبيانات التي راجعناها تتكلم عن التعامل والاستثمار والترويج، لا عن المعرفة. ولكن المطور الذي يعرض عليه العمل في مشروع يجمع أموالاً من الجمهور، أو يصدر رمزاً يروج له على أنه استثمار، يقترب من الأنشطة التي تحذر منها البيانات بالاسم، كالطروحات الأولية التي حذرت منها هيئة السوق المالية في 2018. وهنا يحتاج رأياً نظامياً قبل أن يكتب سطراً واحداً، لأن الكود الذي يكتبه قد يصبح أداة نشاط لا يعرف وضعه النظامي.

والقاعدة التي يخرج بها الاثنان واحدة: افصل بين المعرفة والتعامل. تعلم كيف تعمل هذه التقنيات، فالفهم يحميك من الاحتيال ويجعلك أقدر على تقييم أي عرض، ولكن قبل أن تتعامل أو تبني نشاطاً، ارجع إلى النصوص الرسمية وإلى مختص.

كيف قرر فريق المنصة؟

عاد الفريق إلى المجلس بتقريره، ولم يقل له «افعلوا» أو «لا تفعلوا»، بل رتب له الصورة كما تقولها النصوص، ثم اقترح طريقة لاتخاذ القرار. والجدول التالي يلخص ما قدمه:

السؤالما تقوله المصادر الرسمية التي راجعناهاما اقترحه الفريق
هل العملات الافتراضية عملات معتمدة؟بيان 2018: لا تعد عملات معتمدة في المملكةلا تعامل في المنصة كعملة للأجور أو الأسعار
هل هناك جهات مرخص لها بتداولها؟بيان 2018: لا جهات أو أفراد مرخص لهم من الجهات الرقابية، ومزاعم الترخيص غير صحيحةالتحقق الجديد من موقع الجهة الرقابية قبل أي قرار
هل الأوراق المالية المشفرة الشيء نفسه؟إعلان 2022: أوراق مالية تقليدية ضمن مختبر التقنية الماليةموضوع مختلف، لا يغير الإجابة عن العملات الافتراضية
ماذا عن العملة الرقمية للبنك المركزي؟تجربة عابر للتسوية بين البنوكتتابعها المنصة، ولا تخص قرار اليوم
هل التاريخ قديم؟أحدث بيان وجده الفريق في 13/12/2023تشغيل سكربت التحقق قبل كل مراجعة للقرار
من يتخذ القرار النظامي؟الجهات الرقابية والمستشار النظاميعرض الصورة على مستشار نظامي والتواصل مع الجهة المختصة

وخلص المجلس إلى قرار عملي: لا تدفع المنصة أجوراً بعملات افتراضية ولا تقبلها، ما دامت البيانات الرسمية تصفها بأنها غير معتمدة وخارج المظلة الرقابية، ويعاد النظر في القرار إذا صدر عن الجهات المختصة ما يغير ذلك. وأضاف المجلس قراراً ثانياً لا يقل أهمية: أن تنشر المنصة لمستخدميها تنبيهاً يلخص هذه البيانات بروابطها، لأن كثيراً من المستقلين يتلقون عروضاً للدفع بعملات رقمية من عملاء خارج المنصة، ويحتاجون أن يعرفوا ما تقوله الجهات الرسمية قبل أن يقبلوا.

وكتب الفريق نص التنبيه بالطريقة نفسها التي كتب بها التقرير: جمل قصيرة، كل جملة بمصدرها وتاريخها، دون حكم من عنده. فبدأ بأن المنصة لا تدفع ولا تقبل أجوراً بعملات افتراضية، ثم نقل أن بيان اللجنة الدائمة في 12/08/2018 يصف هذه العملات بأنها غير معتمدة في المملكة وخارج المظلة الرقابية، وأن بيانها في 13/12/2023 يحذر من انتحال الشخصيات والتوصيات المزعومة ويدعو إلى إبلاغ الشرطة، ووضع رابط كل بيان. ثم ختم بثلاث نصائح عملية: لا تشارك عبارة الاسترداد مع أحد، وتحقق من أي ادعاء ترخيص في موقع الجهة الرقابية، وأبلغ المنصة إن عرض عليك عميل الدفع خارجها. وحرص الفريق على أن يكون التنبيه قصيراً يقرأ في دقيقة، لأن التنبيه الطويل لا يقرأ، والتنبيه الذي لا يقرأ لا يحمي أحداً.

ولاحظ أن قرار المجلس قرار عمل لا حكم نظامي: المنصة اختارت ألا تتعامل بشيء تصفه الجهات الرسمية بأنه خارج المظلة الرقابية، لأن مسؤوليتها حماية أموال المستخدمين، ولأن مقالات هذه المرحلة كلها بينت حجم المخاطر. وهذا النوع من القرارات، المبني على النص الرسمي والمخاطر الموثقة، أمتن من قرار مبني على تغريدة تقول إن الأمر صار مسموحاً، وأمتن من قرار مبني على تغريدة تقول إنه ممنوع.

قائمة تحقق قبل أي قرار

  • خذ الموقف من صفحة رسمية لجهة مختصة، لا من حساب أو مقال أو إعلان.
  • اقرأ اسم الجهة المصدرة داخل النص، وتاريخ النشر المطبوع في الصفحة.
  • حدد الموضوع: عملات افتراضية، أم أوراق مالية مشفرة، أم عملة بنك مركزي، أم فوركس.
  • انقل العبارة كما هي، ولا تحولها إلى «مسموح» أو «ممنوع» إن لم يقلها النص.
  • تحقق من أي ادعاء ترخيص في موقع الجهة الرقابية نفسها.
  • أعد التحقق قبل كل قرار، فالمواقف تتغير والتاريخ جزء من المعلومة.
  • لأي قرار عمل، استشر مستشاراً نظامياً وتواصل مع الجهة المختصة.
  • أبلغ الشرطة عن الجهات التي تروج لأنشطة غير مرخصة، كما تدعو اللجنة الدائمة.

تدريب عملي

  1. أضف إلى 01-official-sources.py صفحة رسمية جديدة تجدها في موقع هيئة السوق المالية أو البنك المركزي عن العملات الرقمية، مع عبارة منها، وشغل السكربت، وانظر هل يجد التاريخ والعبارة.
  2. أضف إلى 02-claim-check.py قاعدة لعبارة «ريال رقمي» مقابل بيان وزارة المالية 2019، وجربها على إعلان تكتبه بنفسك، ثم جرب إعلاناً بريئاً لا علاقة له بالعملات الرقمية، وانظر هل تخطئ الأداة فيه، واستنتج حدودها.

حذف التجربة

docker image rm python:3.13-slim  # إذا لم تعد تحتاجها

الخلاصة

وصلنا لنهاية الموضوع، وأهم ما فيه:

  • الموقف النظامي يؤخذ من صفحات الجهات الرسمية وحدها، بتاريخ كل بيان، لا من الحسابات والإعلانات، وما لم يقله نص رسمي لا يكتب على أنه موقف رسمي.
  • بيان اللجنة الدائمة في 12/08/2018 يقول إن العملات الافتراضية ومنها البيتكوين لا تعد عملات معتمدة في المملكة، وإنها خارج المظلة الرقابية، وإن مزاعم الترخيص غير صحيحة.
  • وزارة المالية في 2019 حذرت من التعامل بها، ومن استخدام اسم المملكة أو عملتها أو شعارها في تسويقها.
  • الأوراق المالية المشفرة في مختبر هيئة السوق المالية 2022 أوراق مالية تقليدية بتقنية جديدة، لا عملات افتراضية، وقراءة عنوان الإعلان دون نصه هي مصدر أشهر خطأ متداول في هذا الموضوع.
  • البيان يقرأ بخمسة عناصر: من أصدره، ومتى، وعن ماذا، وماذا يقول بنصه، وماذا يطلب، ومن فاته عنصر منها قد يحمل النص ما لم يقله.
  • أحدث بيان وجده الفريق في 13/12/2023 جدد التحذير من العملات الرقمية غير المرخصة ومن انتحال الشخصيات والتوصيات، ودعا إلى إبلاغ الشرطة.
  • سكربت التحقق أكد ست صفحات رسمية بتواريخها ونصوصها، وصفحة البنك المركزي تقرأ في المتصفح دون إطفاء التحقق من الشهادة.
  • فحص الإعلان وجد خمس عبارات في سطرين تناولتها البيانات بالاسم، والخطوة الحاسمة بعدها التحقق من الترخيص في موقع الجهة الرقابية.

وبهذا المقال تكتمل هذه المرحلة: بدأنا من كيف تعمل Ethereum والعقود الذكية، ومررنا بالأدوات والرموز والأمن والعقد، ثم المنصات والشراء والحفظ والعملات المستقرة والاحتيال، وختمنا بما تقوله الجهات الرسمية. والخيط الذي يجمعها كلها سؤال واحد: من يحمي مالك، وما الدليل؟

دليلالاحتيال في العملات الرقمية: كيف تتعرف عليه وتتجنبه؟أنماط الاحتيال وعلاماتها من تحذيرات FTC، مع تجربتين نرى فيهما محفظة تفرغ وعنواناً يخدع.دليلالحفظ لدى المنصة أم بنفسك Self-custody؟ دروس انهيار FTXمن يملك المفتاح الخاص يملك المال. نولد عبارة استرداد ونرى كيف تشتق كل مفاتيحك، ونفهم لماذا سقط عملاء FTX.دليلالعملات المستقرة Stablecoins: كيف تثبت ومتى تنهار؟ثلاث طرق لتثبيت القيمة عند دولار، نرى التصفية بأرقامها، ونحاكي دوامة الموت التي أسقطت UST.دليلالعملات الرقمية للبنوك المركزية CBDC: من مشروع عابر إلى اليومما هي العملة الرقمية للبنك المركزي، وما الذي جربه مشروع عابر بين المملكة والإمارات، وما الذي قاله البنك المركزي السعودي رسمياً.دليلتاريخ العملات الرقمية: من Cypherpunks إلى Bitcoinكيف حاول المهندسون صنع نقد رقمي أربعين سنة، ولماذا تعثرت المحاولات قبل Bitcoin، وما الذي جمعه Bitcoin منها.دليلكيف تشترى العملات الرقمية وتباع؟ الخطوات والرسومنحسب بالأرقام كم تدفع فعلاً فوق السعر المعروض، ونمر على خطوات الشراء والبيع وطرقه ومخاطره وعلامات التحذير.

سجل التحديثات

  • أكتوبر 2026: كتابة المقال من بيانات هيئة السوق المالية واللجنة الدائمة ووزارة المالية المنشورة في موقعي الهيئة والبنك المركزي السعودي، وتشغيل سكربت التحقق من المصادر وسكربت فحص الإعلان بلغة Python 3.13 على Docker Engine 29.8.0، وآخر مراجعة للمصادر في 28 أكتوبر 2026.
Could not load content
نشرة عرب رووت | ArabRoot

معرفة تستحق مكاناً في بريدك.

مقالات مختارة وأدوات مفيدة وأفكار لمشروعك القادم، في رسالة واحدة كل أسبوع.

يمكنك إلغاء الاشتراك متى شئت. الخصوصية

تم استلام طلبك. افتح بريدك واضغط رابط التأكيد لإتمام الاشتراك.