أغلب ما يسمى «استراتيجية تقنية المعلومات» في المؤسسات وثيقة من ثمانين صفحة تبدأ بجملة عامة عن أهمية التقنية، وتنتهي بقائمة تقنيات: سننتقل إلى السحابة، وسنطبق الذكاء الاصطناعي، وسنبني بحيرة بيانات. ثم يسأل المدير المالي كم تكلف، فلا يجد رقماً، ويسأل رئيس الجهة ماذا سيتغير في خدماتنا، فلا يجد جواباً، وبعد ستة أشهر يأتي طلب شراء نظام جديد لا علاقة له بأي سطر في الوثيقة، ويوافق عليه الجميع لأن الوثيقة لا تقول شيئاً يمكن الاعتراض به. والمشكلة هنا أن هذه الوثيقة قائمة أمنيات وليست خطة، فالخطة الاستراتيجية الحقيقية هي مجموعة اختيارات: ما الذي سنفعله، وما الذي لن نفعله، وبأي ترتيب، وبكم، وكيف نعرف أننا نجحنا.
وقد شرحنا في منهجية التحول الرقمي كيف تقاس خدمة واحدة وترتب مبادراتها، وشرحنا في مقال COBIT من يعتمد القرارات، وهذا المقال ينتقل إلى مستوى المؤسسة كلها: الخطة التي يكتبها مدير التقنية وتعتمدها اللجنة التوجيهية لثلاث سنوات تقريباً. وفي هذا المقال سوف نتناول:
- ما هي الخطة الاستراتيجية لتقنية المعلومات IT Strategic Plan، وما الفرق بينها وبين استراتيجية التحول الرقمي وخارطة طريق المعمارية والميزانية.
- المواءمة Alignment مع استراتيجية المؤسسة، وفي الجهات الحكومية مع رؤية السعودية 2030 وبرامج تحقيقها.
- الوضع الحالي Current State والوضع المستهدف Target State وتحليل الفجوات Gap Analysis.
- تحويل الفجوات إلى مبادرات مرتبة بالأولوية في خارطة طريق Roadmap، وربطها بالميزانية.
- المؤشرات KPIs والأهداف والنتائج الرئيسية OKRs، وما تطلبه وثائق هيئة الحكومة الرقمية.
- قالب للخطة تستطيع تعبئته من اليوم.
ما هي الخطة الاستراتيجية لتقنية المعلومات IT Strategic Plan؟
أوضح تعريف وجدناه لهذه الخطة في وثيقة رسمية هو تعريف ضوابط حوكمة تقنية المعلومات في الحكومة الرقمية من هيئة الحكومة الرقمية في جدول تعريفاتها، فاستراتيجية تقنية المعلومات هي «خطة تحدد كيفية استخدام تقنية المعلومات لتحقيق أهداف الأعمال والتحول الرقمي في الجهة»، وتشمل كما يذكر التعريف تحليل الوضع الحالي والمستقبلي لتقنية المعلومات، وتحديد الفرص والأولويات، ووضع الرؤية والرسالة والأهداف والمؤشرات، وتصميم البرامج والمشاريع والخدمات والأنظمة التي تدعمها، وتوزيع الموارد والمسؤوليات والصلاحيات لتنفيذها، وتقييم الأداء. ولاحظ أن التعريف يبدأ من «أهداف الأعمال» وليس من التقنية، وهذا هو الفرق بين خطة يعتمدها رئيس الجهة وقائمة أمنيات يكتبها قسم التقنية لنفسه.
وفي إطار COBIT تقع هذه الخطة تحت الهدف APO02 «الاستراتيجية» Managed Strategy في مجال التخطيط والتنظيم، كما في إطار COBIT من ISACA، وتعتمد على أهداف أخرى بجانبها: المعمارية APO03، والمحفظة APO05، والميزانية APO06. وهذا يعني أن الخطة لا تكتب وحدها، وإنما تتغذى من مخرجات هذه العمليات.
وأكثر ما يسبب الخلط أن المؤسسة الواحدة قد يكون فيها أربع وثائق متقاربة، والجدول التالي يبين الفرق بينها:
| الوثيقة | سؤالها | من يملكها | مدتها |
|---|---|---|---|
| استراتيجية التحول الرقمي Digital Transformation Strategy | أي الخدمات ونماذج العمل تتغير، ولمن؟ | رئيس الجهة ولجنة التحول | ثلاث إلى خمس سنوات |
| الخطة الاستراتيجية لتقنية المعلومات IT Strategic Plan | ما الذي يجب أن تملكه التقنية من أنظمة وبنية وفريق حتى يحدث التحول؟ | مدير التقنية، وتعتمدها اللجنة التوجيهية | ثلاث سنوات تقريباً، تراجع سنوياً |
| خارطة طريق المعمارية Architecture Roadmap | كيف ننتقل من المعمارية الحالية إلى المستهدفة؟ | مكتب معمارية المؤسسة | تتبع الخطة وتفصلها |
| ميزانية التقنية IT Budget | كم نصرف هذه السنة، وعلى ماذا؟ | مدير التقنية مع المالية | سنة واحدة |
والعلاقة بين الأربع أن الأولى تحدد الوجهة، والثانية تحدد ما تحتاجه التقنية للوصول إليها، والثالثة تفصل الجزء المعماري منها كما شرحنا في مقال معمارية المؤسسة، والرابعة تترجم سنتها الأولى إلى أرقام. وفي المؤسسات الصغيرة قد تكون الأولى والثانية وثيقة واحدة، ولا مشكلة في ذلك بشرط ألا يضيع أي من الأسئلة الأربعة.
المواءمة Alignment: من استراتيجية المؤسسة إلى مؤشر يقيسه فريقك
المواءمة كلمة تتكرر في كل وثيقة، ولكن معناها العملي بسيط: كل مبادرة في الخطة يجب أن تستطيع أن تتبعها إلى أعلى حتى تصل إلى هدف من أهداف المؤسسة، وكل هدف من أهداف المؤسسة يحتاج تقنية يجب أن تجد له مبادرة في الخطة. والصورة التالية تبين هذه السلسلة:

وأبسط أداة تثبت بها المواءمة هي مصفوفة التتبع Traceability Matrix، وهي جدول يربط هدف المؤسسة بهدف التقنية ثم بالمبادرة ثم بالمؤشر، والمثال التالي لمؤسسة خدمية متوسطة:
| هدف المؤسسة | هدف التقنية | المبادرة | المؤشر |
|---|---|---|---|
| تقديم الخدمات للعملاء عبر القنوات الرقمية | منصة خدمات رقمية متكاملة مع الأنظمة الداخلية | منصة التكامل API Gateway | نسبة الخدمات التي تكتمل دون تدخل يدوي |
| استمرارية الأعمال وثقة العملاء | تعافي الأنظمة الحرجة خلال مدة محددة | النسخ الاحتياطي والتعافي من الكوارث DR | زمن التعافي الفعلي في آخر اختبار |
| رفع إنتاجية الموظفين | دخول واحد آمن لكل الأنظمة | الهوية الموحدة SSO وMFA | نسبة الأنظمة المرتبطة بالدخول الموحد |
| خفض تكلفة التشغيل | بنية مرنة تدفع حسب الاستخدام للأنظمة غير الحساسة | النقل إلى السحابة | تكلفة التشغيل لكل نظام بعد النقل مقارنة بقبله |
وفي الجدول أعلاه لاحظ أن عمود المؤشر يقيس النتيجة وليس الإنجاز، فلم نكتب «إطلاق منصة التكامل» وإنما «نسبة الخدمات التي تكتمل دون تدخل يدوي»، والسبب أن المنصة قد تطلق ولا يستخدمها أحد. وإذا وجدت مبادرة لا تستطيع أن تملأ لها العمودين الأولين، فإما أنها مبادرة تشغيلية مكانها الميزانية وليس الخطة، وإما أنها مبادرة لا يحتاجها أحد. ولا تكتب أهداف المؤسسة بنفسك، وإنما انقلها من وثيقتها المعتمدة، وإذا لم توجد وثيقة فاجلس مع أصحاب المصلحة كما شرحنا في مواءمة أصحاب المصلحة، والسبب أن خطة تقنية مبنية على أهداف خمنها مدير التقنية لن يدافع عنها أحد غيره.
الوضع الحالي Current State: ماذا تملك فعلاً؟
الوضع الحالي هو صورة صادقة لما تملكه التقنية اليوم، والكلمة المهمة هي «صادقة»، فأغلب الخطط تصف الوضع الحالي بكلمات عامة مثل «بنية تحتية قديمة» دون أرقام، وبالتالي لا يمكن قياس أي تحسن بعد ذلك. والجدول التالي يبين ما تجمعه، ومن أين:
| المجال | ماذا تجمع | المصدر |
|---|---|---|
| التطبيقات Applications | كل نظام بمالكه والقدرة التي يخدمها وعمره وقرار مستقبله | سجل التطبيقات، كما في خريطة القدرات ومحفظة التطبيقات |
| البنية التحتية Infrastructure | الخوادم والشبكات والسحابة، وما يخرج من الدعم خلال الخطة | سجل الأصول وعقود الدعم |
| الخدمات والتشغيل Operations | حجم التذاكر، والتزام ال SLA، والحوادث الكبرى في السنة | نظام التذاكر، كما في مقال ITSM |
| الناس People | عدد الفريق وأدواره، والمهارات الناقصة، والوظائف التي ليس لها بديل | الموارد البشرية ومقابلات مع قادة الفرق |
| المال Finance | المصروف الفعلي في آخر سنتين، موزعاً على تشغيل جار ومشاريع | المالية، كما في ميزانية التقنية |
| المخاطر Risks | أهم المخاطر التقنية ومستواها ومالكها | سجل المخاطر وتقارير التدقيق |
| النضج Maturity | مستوى القدرة في العمليات المهمة من 0 إلى 5 | تقييم ذاتي بمستويات COBIT |
وقد يتساءل البعض: هل أحتاج استشارياً حتى أجمع كل هذا؟ والإجابة لا في أغلب الحالات، فإذا كانت لديك سجلات حقيقية للأصول والتذاكر والمصروف، فالوضع الحالي يجمع في أسابيع قليلة، وإذا لم تكن لديك هذه السجلات، فأول مبادرة في خطتك قد تكون بناءها، وهذا اكتشاف مفيد بحد ذاته. ولا تقم بتجميل الوضع الحالي أمام الإدارة، والسبب أن كل رقم تخفيه اليوم سوف يمنعك من إثبات التحسن غداً.
الوضع المستهدف Target State: كيف تبدو التقنية بعد ثلاث سنوات؟
الوضع المستهدف هو وصف لما ستكون عليه التقنية في نهاية الخطة، وأفضل طريقة لكتابته أن تكتبه كجمل يمكن التحقق منها في تاريخ محدد، وليس كصفات. فالجملة «بنية تحتية حديثة ومرنة» لا يمكن أن يقال عنها يوماً إنها تحققت أو لم تتحقق، أما الجملة «كل الأنظمة الحرجة لها موقع تعاف مختبر مرتين في السنة، وزمن التعافي المستهدف لكل منها مكتوب ومعتمد» فيمكن التحقق منها في نهاية السنة الثالثة بنعم أو لا.
وفيما يلي أمثلة لجمل الوضع المستهدف، مقسمة على المجالات نفسها التي جمعت فيها الوضع الحالي، حتى تكون المقارنة مباشرة:
- التطبيقات: لا يوجد نظامان يخدمان نفس القدرة إلا باستثناء معتمد من مجلس مراجعة المعمارية.
- التكامل: كل تكامل بين نظامين يمر عبر منصة التكامل، ولا توجد اتصالات مباشرة بقاعدة بيانات نظام آخر.
- الهوية: كل نظام داخلي يستخدم الدخول الموحد SSO، والمصادقة المتعددة MFA مفعلة لكل الموظفين.
- البنية: الأنظمة غير الحساسة على السحابة، والحساسة في مركز البيانات أو السحابة الحكومية بحسب تصنيفها.
- الناس: لكل دور حرج شخصان مدربان على الأقل.
- التشغيل: التزام ال SLA في الخدمات الحرجة 95% أو أعلى لكل ربع سنة.
وفوق هذه الجمل تكتب عادة مجموعة قصيرة من المبادئ Principles التي تحكم القرارات خلال الخطة، مثل «نشتري قبل أن نبني إلا في القدرات المحورية»، وقد ناقشنا هذا القرار في تشتري أم تبني؟، و«البيانات لها مالك واحد». والمبادئ مفيدة بشرط أن يكون لكل منها مبرر وأثر مكتوب، وأن تكون قليلة، فعشرة مبادئ يتذكرها الفريق أفضل من أربعين لا يتذكر أحد منها شيئاً.
تحليل الفجوات Gap Analysis
بعد أن تضع الوضعين بجانب بعضهما، تظهر الفجوات، والفجوة Gap هي الفرق بين ما تملكه وما تحتاجه، وأهم ما في تحليلها أن تصنف كل فجوة بنوعها: هل هي في الناس، أم في الإجراءات، أم في التقنية؟ والسبب أن أغلب الخطط ترى كل فجوة كأنها نظام ناقص، فتشتري نظاماً لفجوة سببها إجراء غير موجود، وتنتهي بنظام جديد ومشكلة قديمة. والصورة التالية تبين المسار كاملاً من الوضع الحالي إلى خارطة الطريق، مع مثال واحد:

والجدول التالي نموذج لتحليل الفجوات من إعدادنا، تستطيع نسخه:
| المجال | الوضع الحالي | الوضع المستهدف | الفجوة | نوعها | المبادرة |
|---|---|---|---|---|---|
| الهوية | 14 نظاماً بحسابات منفصلة | كل الأنظمة الداخلية بالدخول الموحد | لا يوجد مزود هوية ولا إجراء لخروج الموظف | تقنية وإجراء | A الهوية الموحدة |
| التعافي | نسخ احتياطي لم يختبر استرجاعه | تعاف مختبر مرتين سنوياً | لا يوجد موقع تعاف ولا خطة مختبرة | تقنية وإجراء | E النسخ والتعافي |
| التكامل | اتصالات مباشرة بين قواعد البيانات | كل تكامل عبر منصة واحدة | لا توجد منصة، ولا معيار للتكامل | تقنية | D منصة التكامل |
| التشغيل | طلبات بالبريد والهاتف | كل طلب في نظام تذاكر بمؤقت SLA | لا يوجد نظام ولا كتالوج خدمات | إجراء وتقنية | C إدارة الخدمات ITSM |
| البنية | كل الأنظمة في مركز بيانات واحد | غير الحساس على السحابة | لا يوجد تصنيف للأنظمة ولا مهارات سحابية | ناس وتقنية | B النقل إلى السحابة |
| الناس | دوران لا بديل لهما | شخصان مدربان لكل دور حرج | لا توجد خطة تدريب ولا توثيق | ناس | خطة التدريب السنوية |
من الفجوات إلى المبادرات وخارطة الطريق Roadmap
الآن لديك قائمة مبادرات، وكلها تبدو مهمة، والميزانية لن تكفيها كلها في السنة الأولى، وهنا يأتي أصعب جزء في الخطة: الترتيب. وقد شرحنا في منهجية التحول الرقمي مصفوفة القيمة والجهد وبطاقة المبادرة، وهي كافية لخدمة واحدة، أما على مستوى المؤسسة فتحتاج طريقة أكثر وضوحاً يمكن أن تعرضها على اللجنة وتدافع عنها، وأبسطها التقييم الموزون Weighted Scoring: تحدد المعايير وأوزانها مع اللجنة قبل أن ترى المبادرات، ثم تعطي كل مبادرة درجة من 1 إلى 5 في كل معيار.
والجدول التالي مثال بخمسة معايير وأوزان من إعدادنا، والدرجة النهائية هي مجموع حاصل ضرب كل درجة في وزنها، وقد حسبناها بالضبط كما في الجدول:
| المبادرة | المواءمة الاستراتيجية (30%) | القيمة للأعمال (25%) | تقليل المخاطر (20%) | الإلزام التنظيمي (15%) | سهولة التنفيذ (10%) | الدرجة |
|---|---|---|---|---|---|---|
| A الهوية الموحدة SSO وMFA | 4 | 4 | 5 | 4 | 3 | 4.10 |
| E النسخ الاحتياطي والتعافي DR | 3 | 3 | 5 | 5 | 3 | 3.70 |
| B النقل إلى السحابة | 5 | 4 | 2 | 2 | 2 | 3.40 |
| C إدارة الخدمات ITSM | 3 | 4 | 3 | 3 | 4 | 3.35 |
| D منصة التكامل API Gateway | 4 | 5 | 2 | 2 | 2 | 3.35 |
وفي الجدول أعلاه لاحظ التالي:
- درجة A مثلاً هي 0.30×4 + 0.25×4 + 0.20×5 + 0.15×4 + 0.10×3 = 4.10، فالحساب بسيط ويمكن لأي عضو في اللجنة أن يعيده، وهذا هو المقصود.
- B حصلت على أعلى درجة في المواءمة، ولكنها جاءت ثالثة، والسبب أن النقل إلى السحابة لا يقلل خطراً قائماً اليوم، بل قد يضيف خطراً إذا لم يوجد تعاف وتكامل قبله.
- C وD متساويتان في الدرجة، والتعادل يحسمه سؤال الاعتماديات وليس الدرجة: أي منهما تحتاجه الأخرى أو مبادرة بعدهما؟
- عيب هذه الطريقة أن الدرجات تقدير، ولذلك اكتب سبب كل درجة في عمود ملاحظات، وإذا كانت مبادرة ما مفروضة بقرار تنظيمي، فلا تنافسها بالدرجات، وإنما ضعها في الخطة أولاً واحسب الباقي.
بعد ذلك تأتي الاعتماديات Dependencies، فالترتيب النهائي يتبع الأولوية ثم الاعتماديات، والصورة التالية تبين خارطة الطريق الناتجة من المثال:

ولاحظ في الخارطة أن السنة الأولى فيها مبادرتان كبيرتان فقط إلى جانب التدريب، والسبب أن السنة الأولى في أي خطة هي سنة بناء الثقة، فإذا أنهيت فيها ما وعدت به فسوف تحصل على ميزانية السنة الثانية بسهولة أكبر، وإذا بدأت خمس مبادرات ولم ينته منها شيء فسوف تقضي السنة الثانية في الدفاع عن الخطة بدلاً من تنفيذها. ولا تكتب تواريخ بالشهر للسنتين الثانية والثالثة، والسبب أن ما بعد السنة الأولى سوف يتغير بعد أن تقيس نتيجتها.
ربط الخطة بالميزانية Budget
الخطة التي لا ترتبط بالميزانية تبقى وثيقة علاقات عامة، والربط يتم في ثلاث نقاط. الأولى أن لكل مبادرة تقديراً لتكلفتها مقسماً إلى نفقات رأسمالية CapEx ونفقات تشغيلية OpEx لكل سنة من سنوات الخطة، وقد شرحنا الفرق بينهما وكيف تبني ميزانية التقنية بنودها في كيف تبني ميزانية التقنية بين CapEx وOpEx؟، والسبب في هذا التقسيم أن المبادرة التي تبدو رخيصة في سنتها الأولى قد تضيف اشتراكاً سنوياً يبقى في الميزانية بعد انتهاء الخطة.
والنقطة الثانية أن تفصل في الميزانية بين التشغيل الجاري Run، أي ما تحتاجه لتبقى الأنظمة الحالية تعمل، وبين التغيير Change، أي مبادرات الخطة، فإذا كان 90% من الميزانية تشغيلاً جارياً فلا تتوقع أن تنفذ خطة طموحة دون أن تخفض شيئاً من التشغيل، مثل نظام قديم تتوقف عنه أو عقد دعم لم يعد يلزم، وهنا تفيدك قرارات محفظة التطبيقات.
والنقطة الثالثة أن كل مبادرة كبيرة تحتاج دراسة جدوى Business Case قبل اعتماد تمويلها، وقد شرحنا حساب العائد والقيمة الحالية والحساسية وقالب الصفحة الواحدة في حساب العائد ROI والقيمة الحالية NPV، والخطة نفسها لا تحتاج دراسة جدوى كاملة لكل مبادرة، وإنما تقديراً أولياً يكفي لترتيب الأولويات، ثم تأتي الدراسة الكاملة عند طلب التمويل.
وفي الجهات الحكومية تطلب ضوابط حوكمة تقنية المعلومات (الإصدار 3.0) في الضابط 5-108-03 وضع ضوابط للأنشطة المالية المتعلقة بالتقنية تغطي الميزانية والتكلفة وتحديد أولويات الإنفاق بما يتماشى مع الأهداف الاستراتيجية للجهة، وفي الضابط 5-108-04 مراجعة الميزانية الرئيسة لتقنية المعلومات دورياً وتعديلها بحسب المتطلبات، وتجعل في الضابط 5-108-09.01 «وضع وتنفيذ استراتيجية وميزانية تقنية المعلومات» من مهام المسؤول الأول عن التقنية، أي أن الاستراتيجية والميزانية في الوثيقة مسؤولية واحدة وليست اثنتين.
المؤشرات KPIs والأهداف والنتائج الرئيسية OKRs
مؤشر الأداء الرئيسي KPI هو رقم تراقبه باستمرار لتعرف صحة شيء يعمل، مثل توفر الخدمات Availability أو التزام ال SLA، وله حد مقبول تتدخل إذا نزل عنه. أما الأهداف والنتائج الرئيسية OKRs فهي طريقة لدفع تغيير محدد في فترة قصيرة، غالباً ربع سنة، وفيها هدف Objective يصف ما تريد الوصول إليه، ومعه نتائج رئيسية Key Results قابلة للقياس، وقد شرحنا أصلها في مقال إدارة المنتج. والصورة التالية تبين الفرق بمثال واحد:

وتطلب ضوابط حوكمة تقنية المعلومات في الضابط 5-108-106 تطوير واعتماد وتنفيذ مؤشرات قياس الأداء الرئيسة لعمليات تقنية المعلومات وأداء المنصات والخدمات الرقمية، وفي الضابط 5-108-107 أن تشمل المؤشرات أربعة مستويات: حوكمة تقنية المعلومات، والكوادر البشرية، والعمليات والخدمات الرقمية، والحلول التقنية، وهي المستويات التي استخدمناها في الصورة. ويذكر هدف ضوابط إدارة الأداء نفسها «مؤشرات الأهداف، والنتائج الرئيسة» إلى جانب مؤشرات الأداء، أي أن فكرة OKRs ليست غريبة على الوثيقة الحكومية.
ولكل مؤشر في الخطة خمسة حقول لا يكتمل دونها: التعريف الدقيق وطريقة الحساب، والمصدر الذي يؤخذ منه الرقم، وخط الأساس Baseline اليوم، والهدف وتاريخه، والمالك. وأكثر خطأ في هذا الجزء هو مؤشر بلا خط أساس، فإذا كتبت «رفع رضا المستفيدين إلى 85%» دون أن تعرف رقم اليوم، فلن تعرف هل تقدمت أم تراجعت. وقد يتساءل البعض: كم مؤشراً تحتاج الخطة؟ والإجابة أن عشرة إلى خمسة عشر مؤشراً على مستوى الخطة كافية، فاللجنة التوجيهية لن تقرأ أكثر من صفحة مؤشرات كل ربع سنة، والتفاصيل مكانها لوحات الفرق.
في الجهات الحكومية: ما الذي تطلبه الوثائق؟
إذا كنت في جهة حكومية في المملكة، فالخطة ليست اختيارية، والمواءمة مكتوبة بالنص. ففي أعلى السلسلة تقول صفحة برامج تحقيق الرؤية إن كل برنامج يمثل «خارطة طريق محددة، تتم مواءمتها من خلال خطط التنفيذ المعتمدة، التي تسترشد بالأهداف المحددة مسبقاً ومؤشرات الأداء الرئيسية في غضون خمس سنوات». وأقرب البرامج إلى التقنية برنامج التحول الوطني، الذي تصفه صفحته بأنه يطور الأداء الحكومي والرقمي ويمكن القطاع الخاص ويرفع كفاءة الخدمات، وتذكر أنه انطلق عام 2016 كأول برامج الرؤية، ومن المؤشرات التي تعرضها الصفحة «حصة الاقتصاد الرقمي من الناتج المحلي الإجمالي» و«مستوى نضج تحول الخدمات الحكومية الرئيسية رقمياً». وأول سؤال في خطة أي جهة حكومية هو: أي هذه المستهدفات تخدمه الجهة، وعبر أي خدمة؟
وتحت ذلك تأتي المعايير الأساسية للتحول الرقمي (الإصدار 5.0، أبريل 2026) في محورها الأول «التخطيط للتحول الرقمي»، وفيه ثلاثة معايير (الصفحات 11 إلى 13):
- المعيار 5.1.1 التخطيط الاستراتيجي للتحول الرقمي: خطة استراتيجية «متوائمة مع إستراتيجية الجهة ورؤية السعودية (2030)»، تشمل الرؤية والرسالة والركائز والأهداف الاستراتيجية وربطها باستراتيجية الجهة، والمبادرات والمشاريع ومؤشرات الأداء الاستراتيجية، ونموذج التكامل مع الجهات الخارجية، والكفاءات والمهارات اللازمة، ومستند الإثبات الخطة المعتمدة بشرط ألا يزيد عمر اعتمادها على 36 شهراً.
- المعيار 5.1.2 التخطيط التنفيذي: خطة تنفيذية مبنية على الاستراتيجية فيها حصر المبادرات والمشاريع، والجدول الزمني ومراحل التنفيذ، والأهداف المرحلية، ومؤشرات الأداء، ومعتمدة خلال 12 شهراً.
- المعيار 5.1.3: وحدة لإدارة مشاريع التحول الرقمي بهيكل وصلاحيات ومنهجية لإدارة المشاريع، ومتابعة التقدم وتضمينه في التقرير السنوي للجهة.
ثم تأتي ضوابط حوكمة تقنية المعلومات (الإصدار 3.0، يونيو 2026) في مستوى «تخطيط تقنية المعلومات» (الصفحتان 15 و16)، وهي أقرب نص رسمي لمحتوى الخطة التي نكتبها هنا:
- الضابط 5-108-24: تطوير واعتماد وتنفيذ استراتيجية لتقنية المعلومات تتضمن بحد أدنى بيئة الأعمال ومكونات التقنية الحالية والتوجه المستقبلي والمبادرات المطلوبة لتحقيق الوضع المستهدف «بما يتواءم مع إستراتيجية التحول الرقمي لدى الجهة»، وتحديد المخاطر التقنية والرقمية الاستراتيجية التي قد تؤثر على أهداف الجهة.
- الضابط 5-108-25: خارطة طريق لمبادرات التقنية تتضمن التقنيات الرقمية المتقدمة لتحسين الإجراءات، وتحديد أولويات تنفيذ المشاريع «بناءً على تقييم النتائج والتبعيات الخاصة بها من الإدارات ذات العلاقة»، وهي نفس فكرة الأولوية ثم الاعتماديات التي طبقناها أعلاه.
- الضابط 5-108-26: استراتيجية للبنية التقنية متوائمة مع المنهجية الوطنية للبنية المؤسسية NORA، فيها مخطط استراتيجي للقدرات التقنية، وتحديد الفجوات بين الوضع الحالي والمستهدف، وخارطة طريق للتحول الرقمي، مع مراجعة سنوية على الأقل في الضابط 5-108-29.
والمعنى العملي أن الجهة الحكومية تحتاج ثلاث طبقات متصلة: استراتيجية للتحول الرقمي تقاس في المعيار 5.1.1، وخطة لتقنية المعلومات تحقق الضابطين 5-108-24 و5-108-25، وخارطة للبنية التقنية مرتبطة بأعمال البنية المؤسسية التي شرحناها في معمارية المؤسسة في الجهات الحكومية. ولا تكتب ثلاث وثائق تكرر نفس الجداول، والسبب أن ثلاث نسخ من الوضع الحالي سوف تختلف بعد أول تحديث، وإنما اجعل الوضع الحالي والفجوات في ملحق واحد تشير إليه الوثائق الثلاث.
قالب الخطة Template: الفهرس الذي تحتاجه
فيما يلي فهرس من إعدادنا لخطة استراتيجية لتقنية المعلومات، مع ما تكتبه في كل قسم وحجمه التقريبي، والهدف أن يكون جسم الخطة بين 15 و25 صفحة، وكل التفاصيل في الملاحق، والسبب أن من يعتمد الخطة يقرأ الملخص وصفحة المبادرات وصفحة الميزانية، ومن ينفذها يقرأ الملاحق:
| القسم | ماذا تكتب فيه | الحجم |
|---|---|---|
| 1. الملخص التنفيذي Executive Summary | ما الذي نطلب اعتماده، وأهم خمس مبادرات، والتكلفة الإجمالية لكل سنة، وأهم ثلاثة مؤشرات | صفحة واحدة |
| 2. السياق والمواءمة Context and Alignment | أهداف المؤسسة كما في وثيقتها المعتمدة، وللجهات الحكومية المستهدفات الوطنية واستراتيجية التحول الرقمي، ومصفوفة التتبع | صفحتان |
| 3. الوضع الحالي Current State | ملخص بالأرقام لكل مجال، ومستويات النضج، وأهم المخاطر | ثلاث صفحات، والتفاصيل في الملحق |
| 4. المبادئ والوضع المستهدف Principles and Target State | عشرة مبادئ على الأكثر، وجمل الوضع المستهدف القابلة للتحقق | صفحتان |
| 5. الفجوات Gap Analysis | جدول الفجوات بنوعها | صفحتان |
| 6. المبادرات وخارطة الطريق Initiatives and Roadmap | بطاقة مختصرة لكل مبادرة، وجدول الأولويات بالأوزان، والخارطة على السنوات | أربع صفحات |
| 7. الميزانية والتمويل Budget | تكلفة كل مبادرة لكل سنة مقسمة إلى CapEx وOpEx، ونسبة التشغيل الجاري إلى التغيير، ومصادر التمويل | صفحتان |
| 8. المؤشرات والقياس KPIs | عشرة إلى خمسة عشر مؤشراً بالتعريف والمصدر وخط الأساس والهدف والمالك | صفحتان |
| 9. الحوكمة والمخاطر Governance and Risks | من يعتمد التغييرات على الخطة، وإيقاع المتابعة، وأهم مخاطر التنفيذ وخطتها | صفحة واحدة |
| الملاحق Appendices | سجل التطبيقات، وتقييم النضج، وتفاصيل الوضع الحالي، ودراسات الجدوى الأولية | حسب الحاجة |
وبطاقة المبادرة في القسم السادس تحتاج على مستوى الخطة الحقول التالية: الاسم، وهدف المؤسسة الذي تخدمه، والفجوة التي تغلقها، والمالك من جهة العمل والمالك من التقنية، والتكلفة التقديرية لكل سنة، والاعتماديات، والمؤشر وخط أساسه وهدفه، ودرجة الأولوية. أما الحقول التفصيلية مثل نطاق المشروع وخطة التنفيذ فمكانها ميثاق المشروع Project Charter بعد اعتماد التمويل.
وأما إيقاع المتابعة فهو ما يحول الوثيقة إلى أداة إدارة، والإيقاع الذي يكفي أغلب المؤسسات: مراجعة ربع سنوية في اللجنة التوجيهية لحالة المبادرات وصفحة المؤشرات، ومراجعة سنوية للخطة كلها تحدث فيها الوضع الحالي، وتنقل المبادرات بين السنوات، وتضيف ما ظهر وتحذف ما لم يعد يلزم، ثم تعتمد الخطة المحدثة من جديد.
أخطاء شائعة
- البدء من التقنيات: «سنطبق الذكاء الاصطناعي» ليست مبادرة، وإنما المبادرة هي المشكلة التي سيحلها وأين.
- وضع حالي بلا أرقام: بدونه لا يوجد خط أساس لأي مؤشر، ولا يمكن إثبات أي تحسن.
- كل الفجوات أنظمة: إذا كان سبب الفجوة إجراءً غير موجود أو مهارة ناقصة، فالنظام الجديد سوف يرث المشكلة نفسها.
- أولويات بلا أوزان متفق عليها مسبقاً: عندها يفوز من يتكلم بصوت أعلى في الاجتماع، وتتغير الأولويات بتغير الحاضرين.
- خطة بلا ميزانية تشغيل لاحقة: المبادرة التي تضيف اشتراكاً سنوياً أو موظفاً جديداً يجب أن يظهر أثرها في سنوات ما بعد الخطة أيضاً.
- مؤشرات إنجاز بدل مؤشرات نتيجة: «تم إطلاق البوابة» لا يخبرك هل استخدمها أحد.
- خطة تكتب مرة كل ثلاث سنوات: الخطة التي لا تراجع سنوياً تصبح بعد سنتها الأولى وصفاً لما كان يمكن أن يحدث.
تدريب عملي
- خذ آخر خمس مشاريع تقنية في مؤسستك، وحاول أن تملأ لكل منها مصفوفة التتبع: هدف المؤسسة، وهدف التقنية، والمؤشر. وإذا لم تستطع ملء العمود الأول لمشروعين أو أكثر، فهذا أول ما تناقشه مع إدارتك قبل كتابة أي خطة.
- اختر خمس مبادرات مقترحة، واتفق مع زميلين على المعايير والأوزان قبل أن تقرؤوا المبادرات، ثم أعط كل واحد منكم الدرجات وحده وقارنوا النتائج، فالمبادرات التي تختلف درجاتها كثيراً هي التي تحتاج نقاشاً قبل أن تعرض على اللجنة.
الخلاصة
وصلنا لنهاية الموضوع، وأهم ما فيه:
- الخطة الاستراتيجية لتقنية المعلومات مجموعة اختيارات تبدأ من أهداف الأعمال، وليست قائمة تقنيات، وتعريفها في ضوابط هيئة الحكومة الرقمية يبدأ من «أهداف الأعمال والتحول الرقمي».
- المواءمة تثبت بمصفوفة تتبع تربط هدف المؤسسة بهدف التقنية والمبادرة والمؤشر، والمؤشر يقيس النتيجة وليس الإنجاز.
- الوضع الحالي بالأرقام، والوضع المستهدف بجمل قابلة للتحقق، والفجوات مصنفة إلى ناس وإجراءات وتقنية.
- الترتيب بالتقييم الموزون بمعايير متفق عليها مسبقاً، ثم بالاعتماديات، والسنة الأولى لمبادرات قليلة تنتهي فعلاً.
- كل مبادرة لها تكلفة لكل سنة مقسمة إلى CapEx وOpEx، والمبادرات الكبيرة تحتاج دراسة جدوى قبل التمويل.
- في الجهات الحكومية: الخطة الاستراتيجية للتحول الرقمي متوائمة مع رؤية 2030 ومعتمدة خلال 36 شهراً، والتنفيذية خلال 12 شهراً، واستراتيجية التقنية وخارطتها في الضابطين 5-108-24 و5-108-25.
وفي المقال التالي من هذه المرحلة بإذن الله، سوف نقرأ متطلبات الحكومة الرقمية في المملكة كلها: وثائق الهيئة التنظيمية، ومؤشر قياس التحول الرقمي وكيف يقيس. وأقرب المقالات إلى هذا الموضوع على الموقع:
دليلحوكمة تقنية المعلومات IT Governance بإطار COBITالفرق بين حوكمة التقنية وإدارتها، وكيف تبدأ بإطار COBIT بلجنة توجيهية ومصفوفة RACI وجدول مكتوب لحقوق القرار.
دليلمتطلبات الحكومة الرقمية في المملكة ومؤشر قياس Qiyasخريطة وثائق هيئة الحكومة الرقمية الملزمة والاسترشادية بأرقامها وتواريخها، وكيف يقيس مؤشر قياس التزام الجهات.
دليلمنهجية التحول الرقمي: من التقييم إلى خارطة الطريقكيف تقيس الخدمة الحالية وترتب المبادرات في خارطة طريق، وتتابع المنافع بعد الإطلاق، وتساعد الموظفين على التغيير.
دليلكيف تبني ميزانية التقنية بين CapEx وOpEx؟متى يصبح شراء التقنية أصلاً يهلك على سنوات ومتى يكون مصروفاً في شهره، وكيف تبني ميزانية سنوية وتشرح انحرافها عن الواقع.
دليلحساب العائد ROI والقيمة الحالية NPV لمشروعك التقنيكيف تحسب العائد وفترة الاسترداد والقيمة الحالية لمشروع تقني، وتختبر افتراضاته، وتعرضه على قسم المالية في صفحة واحدة.
دليلCapability Map: كيف تقرر مصير كل نظام في مؤسستككيف تبني خريطة لقدرات مؤسستك وتربط بها أنظمتك، لتكتشف التكرار والفجوات وتقرر ما تبقيه وما توقفه.سجل التحديثات
- أكتوبر 2026: كتابة المقال، ومراجعة ضوابط حوكمة تقنية المعلومات في الحكومة الرقمية (الإصدار 3.0 بالعربية والإصدار 1.0 بالإنجليزية)، والمعايير الأساسية للتحول الرقمي (الإصدار 5.0، المحور 5.1)، وصفحتي برامج تحقيق الرؤية وبرنامج التحول الوطني في موقع رؤية السعودية 2030، وصفحة COBIT من ISACA.