في أغلب الفرق يوجد شخص واحد يجعل يوم العمل أثقل من العمل نفسه: زميل يكتب في مراجعة الكود Code Review أن كودك «كود مبتدئ» أمام الجميع، أو يقاطعك في كل اجتماع قبل أن تكمل جملتك، أو يرفع صوته عندما تختلف معه، أو يتجاهل أسئلتك في قناة المحادثة ثم يجيب عن نفس السؤال عندما يسأله غيرك. وأنت تعرف أنه شاطر تقنياً، وأن المدير يعتمد عليه، ولذلك تسكت، وتعيد كتابة الكود كما طلب، وتختصر كلامك في الاجتماعات، وتلاحظ بعد أشهر أنك صرت تتجنب أي عمل يمر عليه.
وهذا المقال عن هذا الزميل، وعن الطريقة المهنية للتعامل معه: كيف تفرق بين اختلاف في الأسلوب وسلوك يحتاج أن تضع له حداً، وماذا تقول له بالضبط، وكيف تسجل ما يحدث بطريقة يأخذها مديرك بجدية، ومتى تصعد ولمن، ومتى يكون الحل أن تنتقل إلى فريق آخر. والخلاف التقني بين الزملاء موضوع مختلف، أي أن تختلف مع زميلك على تصميم أو أداة وأنتما تحترمان بعضكما، وله مقال مستقل في هذا المسار، وهنا نتحدث عن السلوك نفسه.
وسوف نناقش في هذا المقال ما يلي:
- الدرجات الأربع من اختلاف الأسلوب إلى الإساءة، ولماذا يحدد ردك على أي درجة أنت.
- ما تقوله الأبحاث عن ثمن قلة الاحترام في العمل.
- الحالة الأولى: مراجع كود يعلق على الشخص وليس على الكود.
- جملة الحد الواضح بأجزائها الأربعة.
- الحالة الثانية: زميل يقاطع ويرفع صوته في الاجتماعات.
- الحالة الثالثة: عندما تكون أنت الزميل الصعب، أو يمر زميلك بظرف لا تعرفه.
- سجل الوقائع: ما يكتب وما لا يكتب، وسلم التصعيد، ومتى تغادر.
من اختلاف الأسلوب إلى الإساءة (Behavior Spectrum)
أول خطأ يقع فيه الناس مع زميل صعب أنهم يضعون كل السلوكيات المزعجة في سلة واحدة، فيردون على زميل مباشر في كلامه كأنه يسيء إليهم، أو يسكتون عن إهانة صريحة لأنهم تعودوا أن «هذا أسلوبه». ولذلك من المفيد أن تفكر في السلوك على أربع درجات، ولكل درجة رد مختلف:

- اختلاف في الأسلوب Style Difference: زميل قليل الكلام، يكتب ملاحظات قصيرة جداً، لا يبدأ رسائله بالسلام، ويقول «هذا خطأ» دون مقدمات. وهذا قد يزعجك، ولكنه ليس موجهاً لك، وغالباً يتعامل مع الجميع بنفس الطريقة. والرد هنا أن تتكيف، وأن تسأل عن ما يقصده عندما لا تفهم، وأن لا تفسر قصر كلامه على أنه احتقار.
- سلوك غير لائق Rudeness: سخرية من كود زميل، مقاطعة متكررة، نبرة متعالية، تجاهل متعمد للأسئلة. وهنا لم يعد الأمر أسلوباً، لأن السلوك يمس شخصاً بعينه ويؤثر على العمل، والرد حد واضح تقوله على انفراد، وتسجيل لما حدث.
- عداء متكرر Hostility: تقليل علني مستمر، تعطيل متعمد لعملك مثل حجز طلبات الدمج Pull Requests دون سبب، رفع صوت، استبعاد من النقاشات التي تخص عملك. والرد سجل مكتوب ثم حديث مع المدير.
- إساءة أو تحرش Abuse or Harassment: إهانة، تهديد، كلام يمس الكرامة أو الدين أو العرض، أو تحرش. وهذه لا تنتظر محادثة على انفراد ولا ثلاث وقائع، والرد الموارد البشرية HR مباشرة ثم القنوات النظامية إذا لزم.
ولاحظ أن الانتقال بين الدرجات يحدده أمران: نوع السلوك، وتكراره. فمقاطعة واحدة في اجتماع متوتر ليست مثل مقاطعتك في كل اجتماع منذ ثلاثة أشهر، وتعليق حاد واحد في مراجعة كود بعد يوم طويل ليس مثل نمط من التعليقات الشخصية على كل طلب دمج ترسله. ولهذا ننصح طوال هذا المقال بأن تسجل الوقائع من أول مرة تزعجك، ليس لأنك ستصعد، وإنما لأن السجل وحده هو الذي يخبرك بعد شهر هل هذا نمط أم مصادفة.
ثمن قلة الاحترام في العمل (Cost of Incivility)
قد يبدو أن زميلاً سيئ الأسلوب مشكلة صغيرة لا تستحق مقالاً، ولكن الأبحاث تقول غير ذلك. فقد سألت الباحثتان Christine Porath وChristine Pearson آلاف العاملين على مدى 14 عاماً عن طريقة معاملتهم في العمل، ونشرتا النتائج في مقال ثمن قلة الاحترام The Price of Incivility في Harvard Business Review عام 2013، ووجدتا أن 98% ممن سألوهم تعرضوا لسلوك غير محترم في العمل، وأن نصفهم في 2011 قالوا إنهم يعاملون بقلة احترام مرة في الأسبوع على الأقل، بعد أن كانت النسبة الربع في 1998. والرقم الأهم هنا ليس النسبة نفسها، وإنما أنها تضاعفت تقريباً خلال ثلاث عشرة سنة، أي أن ما تمر به ليس استثناء نادراً، وإنما شيء يمر به أغلب من حولك، ويتعامل معه أغلبهم بالصمت.
وفي قطاع التقنية تحديداً وجدت دراسة Tech Leavers من مركز Kapor عام 2017، التي سألت أكثر من ألفي شخص تركوا وظائف تقنية في الولايات المتحدة خلال ثلاث سنوات، أن ثقافة العمل من أكبر أسباب ترك هذه الوظائف، وقدرت أن هذا الدوران يكلف القطاع أكثر من 16 مليار دولار سنوياً. والخلاصة العملية لك: إذا كان زميل يجعلك تفكر في ترك فريقك، فأنت لست حساساً أكثر من اللازم، وإنما تمر بأحد أكثر أسباب الاستقالة شيوعاً في هذا المجال، والتعامل معه مبكراً بطريقة مهنية أفضل لك وللفريق من الصبر حتى تنفجر أو تغادر.
الحالة الأولى: مراجع كود يعلق على الشخص (Personal Code Review)
لنفرض أن مهندساً انضم قبل ستة أشهر إلى فريق يعمل على نظام الطلبات في شركة تجارة إلكترونية، وأن المهندس الأول Senior Engineer في الفريق، وهو من يراجع أغلب طلبات الدمج، يكتب تعليقات مثل: «واضح إنك ما تعرف تستخدم الـ Transactions، هذا كود مبتدئ، أعد كتابته». والتعليق أحياناً صحيح تقنياً، فهناك فعلاً مشكلة في الكود، ولكن صياغته عن الشخص وليست عن الكود، ويقرؤها كل من في طلب الدمج، وتتكرر على أغلب ما يرسله المهندس الجديد بينما تعليقاته على الآخرين أهدأ.
ماذا يحدث عادة، وما الذي يزيده سوءاً؟ (Usual and Worse)
عادة يصلح المهندس الكود ولا يرد على الصياغة، لأنه جديد ولأن المراجع أقدم وأشهر منه، ثم يبدأ في إرسال طلبات دمج أصغر وأقل، ويطلب من زميل آخر أن يراجع عمله إذا أمكن، ويقل تعلمه من المراجع الوحيد الذي يعرف النظام جيداً. وما يزيد الموقف سوءاً أن يرد في نفس طلب الدمج بتعليق حاد مثل «لو تقرأ الكود قبل تحكم كان عرفت ليش»، فيصبح هناك خلاف علني مكتوب يقرؤه الفريق، أو أن يشتكي لزملائه في المكتب، فيصل الكلام للمراجع بصيغة أسوأ، أو أن يرفض الملاحظة الصحيحة تقنياً لأنه منزعج من صياغتها، فيخسر الحجة التقنية ويبدو كمن لا يقبل المراجعة.
ما الذي ينجح؟ (What Works)
الذي ينجح أن تفصل بين المحتوى والصياغة، فتقبل المحتوى الصحيح علناً، وتعالج الصياغة على انفراد. وفي الرد على التعليق داخل طلب الدمج اشكر على الملاحظة، ولخص ما فهمته منها، وقل ما سوف تفعله، وإذا أردت أن تشير للصياغة فجملة واحدة هادئة تكفي. والفكرة أن من يقرأ طلب الدمج بعد ذلك يرى مهندساً يتعامل مع المراجعة باحتراف، ومراجعاً كتب جملة شخصية، والمقارنة وحدها تقول الكثير دون أن تقول أنت شيئاً.

ولهذا النوع من الحالات مرجع مفيد، فدليل مراجعة الكود الذي نشرته Google ضمن ممارساتها الهندسية Engineering Practices يطلب من المراجع أن يكون مهذباً ومحترماً وواضحاً في نفس الوقت، وأن تكون تعليقاته عن الكود وليس عن المطور، ويعطي مثالاً قريباً جداً من حالتنا: بدلاً من أن تسأل الكاتب لماذا استخدم الـ Threads وهي «واضح» أنها لا تفيد، صف أثر نموذج التزامن على تعقيد النظام واقترح البديل. وإذا لم يكن عند فريقك دليل مكتوب للمراجعة، فاقتراح أن يتبنى الفريق دليلاً مثل هذا طريقة غير شخصية لحل المشكلة، لأنها تغير القاعدة للجميع دون أن تشير إلى أحد.
عبارات تقولها أو تكتبها (What to Say)
في طلب الدمج نفسه، رداً على التعليق:
«شكراً على الملاحظة. فهمت أن المشكلة في فصل حفظ الطلب عن الدفع، وسوف أجمعهما في Transaction واحدة مثل RefundService. ولو تكرمت، أفضل أن تكون التعليقات عن الكود نفسه.»
على انفراد، بعد أسبوع إذا تكرر الأمر:
«أقدر مراجعاتك جداً، وتعلمت منها أشياء كثيرة عن النظام. لكن في آخر ثلاثة طلبات دمج كانت بعض التعليقات عني أنا، مثل "كود مبتدئ" و"واضح إنك ما تعرف"، والفريق كله يقرؤها. أطلب أن تكتب ما المشكلة في الكود وما البديل، وأنا أقبل أي ملاحظة تقنية مهما كانت قاسية.»
واقتراح للفريق في اجتماع المراجعة الدورية Retrospective، دون أي إشارة لشخص:
«أقترح نتبنى دليلاً مكتوباً لمراجعة الكود، فيه أن التعليق يكون عن الكود وليس عن الكاتب، وأن كل ملاحظة تذكر البديل. ممكن نبدأ من دليل Google وننتقي منه.»
ولاحظ في العبارة الثانية أنك فصلت بين قيمة المراجع وسلوكه، وذكرت أمثلة بالنص، وطلبت سلوكاً محدداً، وأكدت أنك لا تطلب مراجعة أسهل وإنما صياغة مختلفة. وهذا الأخير مهم، لأن أكثر رد تسمعه من مراجع حاد هو «أنت تريدني أجاملك»، والعبارة تسد هذا الباب قبل أن يفتح.
جملة الحد الواضح (Setting a Boundary)
الحد الواضح Boundary هو أن تقول للشخص ما الذي لا تقبله في تعامله معك وما الذي تطلبه بدلاً منه، دون تهديد ودون محاضرة. وأفضل صياغة له من أربعة أجزاء، تقولها على انفراد، بهدوء، بعد أن يهدأ الموقف، وعن حدث واحد محدد:

- ما حدث Observation: حدث واحد بالوقت والمكان، كما ستصفه كاميرا لو كانت موجودة، دون كلمات مثل «دائماً» و«تتعمد» و«تحتقرني»، لأن هذه الكلمات تفتح نقاشاً عن نيته، والنية لا يمكن إثباتها.
- أثره Impact: أثره على العمل أو عليك، مثل قرار اتخذ قبل أن يسمع البديل، أو أنك صرت تتردد في إرسال طلبات الدمج. والأثر حقيقة تعرفها أنت، ولا يستطيع أن يجادل فيها.
- الطلب Request: سلوك محدد يمكن ملاحظته في المرة القادمة، مثل «اتركني أكمل ثم اعترض»، وليس شيئاً عاماً مثل «احترمني» أو «غير أسلوبك»، لأن العام لا يعرف أحد هل تحقق أم لا.
- ما بعده Next Step: ما ستفعله إذا تكرر، ويقال فقط في المرة الثانية، دون نبرة تهديد، وغالباً يكون طلب تدخل المدير.
وقد يتساءل البعض: لماذا لا أقول له ذلك أمام الجميع في نفس اللحظة، فيعرف الفريق أنني لا أقبل؟ والإجابة أن الحد العلني يجعل الشخص يدافع عن صورته أمام الناس، فيرد بحدة أكبر، ويتحول الاجتماع إلى مواجهة يتذكرها الجميع بشكل سيئ لكما معاً. والاستثناء أن تقول جملة قصيرة هادئة في اللحظة لتوقف السلوك، مثل «خلني أكمل ثم نناقش»، ثم تترك الحديث الكامل للمحادثة على انفراد.
قبل أن تتحدث معه: افحص قصتك (Check Your Story)
قبل أي محادثة أو تصعيد، خذ عشر دقائق وافحص القصة التي ترويها لنفسك عن هذا الزميل، لأن القصة تحدد نبرتك قبل أن تفتح فمك. ففي أغلب المواقف الصعبة نرى ما فعله الشخص، ثم نضيف إليه بسرعة تفسيراً لنيته: «يقاطعني لأنه يحتقرني»، «يكتب هكذا لأنه يريد أن يظهر أنه أفضل». والتفسير قد يكون صحيحاً، وقد يكون خاطئاً تماماً، فربما يقاطع الجميع عندما يتحمس لفكرة، وربما يكتب تعليقات قصيرة لأنه يراجع ثلاثين طلب دمج في اليوم ولا يملك وقتاً للتلطيف.
والطريقة البسيطة أن تكتب في ورقة ثلاثة أسطر منفصلة: ما حدث فعلاً كما ستراه كاميرا، وما شعرت به، وما أفترضه عن نيته. ثم اسأل نفسك عن السطر الثالث: ما الدليل عليه؟ وهل هناك تفسير آخر ممكن؟ وهل يتعامل بنفس الطريقة مع غيري؟ فإذا كان يتعامل بنفس الطريقة مع الجميع، فغالباً هي الدرجة الأولى أو الثانية، أي مشكلة أسلوب، والحل محادثة هادئة. وإذا كان يخصك أنت دون غيرك، فهذه معلومة مهمة تكتبها في السجل، وتغير طريقة تعاملك مع الموضوع.
وهذا الفحص لا يعني أن تبرر سلوكه أو أن تقنع نفسك بأن المشكلة فيك، وإنما أن تدخل المحادثة وأنت تتحدث عن ما حدث فقط، لأن المحادثة التي تبدأ بالنية تنتهي بالدفاع، والتي تبدأ بالحدث تنتهي غالباً بطلب يمكن تنفيذه.
عندما يحدث في الرسائل المكتوبة (Chat and Email)
جزء كبير من التعامل اليومي في الفرق التقنية يحدث كتابة، في قنوات المحادثة وطلبات الدمج والتذاكر Tickets، والكتابة تجعل الموقف أصعب وأسهل في نفس الوقت. أصعب لأن الرسالة القصيرة تقرأ بأسوأ نبرة ممكنة، فـ «ليش سويت كذا؟» قد تكون سؤالاً بريئاً وقد تكون اتهاماً، ولا توجد تعابير وجه تساعدك. وأسهل لأن الرسالة المكتوبة دليل جاهز، لا تحتاج أن تتذكر ما قيل فيها.
والقاعدة الأولى مع الرسائل أن لا ترد على رسالة تزعجك وأنت منزعج، فاكتب ردك ثم احفظه دون إرسال، وارجع له بعد ساعة. والقاعدة الثانية أن تنقل أي نقاش بدأ يحتد من القناة العامة إلى محادثة خاصة أو مكالمة قصيرة، بجملة مثل «خلنا نكمل هذا في مكالمة خمس دقائق، أسرع من الكتابة»، لأن الخلاف المكتوب في قناة عامة يتحول إلى عرض أمام جمهور، وكل طرف يكتب للجمهور وليس للطرف الآخر. والقاعدة الثالثة أن تحتفظ برابط الرسالة المزعجة في سجلك، دون أن ترد عليها بالمثل، لأن ردك سيكون في نفس الدليل.
الحالة الثانية: مقاطعة ورفع صوت في الاجتماعات (Hostile in Meetings)
لنفرض أن مهندسة في فريق المنصة Platform Team تعرض اقتراحاً في اجتماع التصميم Design Review الأسبوعي، وأن زميلاً في الفريق يقاطعها قبل أن تكمل بعبارات مثل «هذا اقتراح ما يطلع من مهندس عنده خبرة»، ويرفع صوته عندما تحاول أن ترد، وتكرر الأمر في أكثر من اجتماع، بينما يستمع للآخرين حتى النهاية. ومدير الفريق يحضر بعض هذه الاجتماعات ولا يقول شيئاً، وربما لم ينتبه، لأن كل اجتماع وحده يبدو كنقاش حاد عادي.
ماذا يحدث عادة، وما الذي يزيده سوءاً؟ (Usual and Worse)
عادة تتوقف المهندسة عن عرض اقتراحاتها في الاجتماع، وترسلها مكتوبة للمدير مباشرة، أو تعرضها عن طريق زميل آخر، فتقل رؤية عملها، ويبدو للمدير أنها لا تشارك في النقاشات. وما يزيد الموقف سوءاً أن ترد بنفس النبرة في الاجتماع، فيصبح الموقف «اثنان تشاجرا» بدلاً من «شخص يقاطع زميلته»، أو أن تذهب للمدير بعد شهرين بشكوى عامة «هو ما يحترمني»، دون أي وقائع، فيجيب المدير بأنه لم يلاحظ شيئاً وأنهما «يحتاجان أن يتفاهما».
ما الذي ينجح؟ (What Works)
في الاجتماع نفسه جملة قصيرة هادئة توقف المقاطعة دون أن تبدأ مواجهة، ثم تكمل كلامك كأن شيئاً لم يحدث. وفي نفس اليوم تسجل ما حدث بالنص. وبعد يوم أو يومين محادثة على انفراد بجملة الحد الواضح. فإذا تكرر بعدها، فإلى المدير بسجل فيه ثلاث وقائع على الأقل بتواريخها، وبما قلته أنت في المحادثة، وبطلب محدد من المدير، مثل أن يدير النقاش في اجتماعات التصميم بحيث يكمل كل شخص عرضه قبل الأسئلة.
عبارات تقولها أو تكتبها (What to Say)
في الاجتماع، عند المقاطعة:
«خلني أكمل الفكرة، ثم أسمع اعتراضك كاملاً.»
إذا رفع صوته:
«أبغى أسمع رأيك، لكن بهذا الصوت ما أقدر أناقش. نكمل بهدوء أو نأجلها لبعد الاجتماع.»
على انفراد، بعد يوم:
«في اجتماع التصميم أمس قاطعتني ثلاث مرات وأنا أشرح الاقتراح، وقلت إنه "ما يطلع من مهندس عنده خبرة". لم أستطع أن أكمل الفكرة، واتخذ القرار قبل أن نسمع البدائل. أطلب أن تتركني أكمل ثم تعترض كما تريد، وأنا أسمعك بنفس الطريقة. وإذا كان عندك رأي في مستوى اقتراحاتي، فأفضل أن تقوله لي مباشرة مع أمثلة، وأنا أستفيد منه.»
للمدير، إذا تكرر بعد المحادثة:
«أريد أن أعرض عليك شيئاً يؤثر على مشاركتي في اجتماعات التصميم. سجلت ثلاث وقائع خلال الشهر الماضي، بتواريخها وبما قيل بالنص، وتحدثت معه على انفراد في [التاريخ] وطلبت أن يتركني أكمل، ولكن تكرر بعدها في [التاريخ]. لا أطلب عقوبة لأحد، وإنما أطلب أن تدير النقاش في هذه الاجتماعات بحيث يكمل كل شخص عرضه قبل الأسئلة.»
والجملة الأخيرة «لا أطلب عقوبة لأحد» مهمة في الحديث مع المدير، لأنها تحول الشكوى من خلاف شخصي يحتاج المدير أن يحكم فيه، إلى طلب لتغيير طريقة إدارة الاجتماعات، وهذا قرار سهل عليه أن يتخذه، ويحل المشكلة في الغالب.
وإذا رد المدير بأن «هذا أسلوبه، وهو مهم للفريق»، فلا تجادل في أهمية الزميل، فهي غالباً حقيقية، وارجع إلى الطلب المحدد: «لا أشك في أهميته، وأنا لا أطلب أن يتغير شخصه، وإنما أن أكمل عرضي في الاجتماع. هل نجرب طريقة إدارة الاجتماع هذه لمدة شهر ونرى؟». فالتجربة المحددة بمدة أسهل قبولاً من أي تغيير دائم، وإذا رفض المدير حتى هذا فقد عرفت شيئاً مهماً عن كيف يحمي فريقه، وهذه معلومة تحتاجها عندما تقرر هل تبقى.
سجل الوقائع: ما يكتب وما لا يكتب (Behavior Log)
السجل هو ما يحول شكواك من «انطباع» إلى «وقائع»، والفرق بينهما هو الفرق بين مدير يقول «تفاهموا» ومدير يتصرف. والسطر المفيد في السجل فيه خمسة أشياء: التاريخ والوقت والمكان، وما حدث بالنص أو بالوصف الدقيق، ومن حضر، وما فعلته أنت، وأثره على العمل. والسطر غير المفيد هو الذي يصف شعورك وتفسيرك لنية الشخص، لأن من يقرؤه لا يستطيع أن يتحقق منه، ويبدو كأنه مكتوب في لحظة غضب.

واكتب في السجل ما فعلته أنت أيضاً، حتى لو لم يكن مثالياً، فإذا رددت بحدة في إحدى المرات فاكتبها، لأن السجل الذي لا يذكر إلا أخطاء الطرف الآخر لا يصدقه أحد، ولأن الطرف الآخر سوف يذكرها إذا وصل الأمر للمدير، والأفضل أن يسمعها المدير منك أولاً. ولا تنسخ محتوى داخلياً سرياً إلى جهاز شخصي، فرقم طلب الدمج ورابط الرسالة يكفيان، ومن يحتاج أن يتحقق يفتحهما من داخل أنظمة الشركة.
الحالة الثالثة: عندما تكون أنت الزميل الصعب (When It Is You)
الحالتان السابقتان من جهة من يتعرض للسلوك، ولكن من الإنصاف أن نسأل السؤال الآخر: ماذا لو كنت أنت الزميل الذي يراه الآخرون صعباً؟ لنفرض أن مهندساً أول في فريق يفخر بأن مراجعاته «صريحة»، وأنه «لا يجامل في الجودة»، ثم يفاجأ في اجتماعه الفردي One-on-One مع مديره بأن ثلاثة من الفريق طلبوا ألا يراجع عملهم، وأن مهندساً جديداً قال إنه يخاف أن يرسل طلب دمج.
والرد الطبيعي هنا هو الدفاع: «أنا أهتم بالجودة، وهم حساسون». ولكن السؤال الأهم ليس هل نيتك جيدة، فغالباً هي كذلك، وإنما هل الطريقة التي تصل بها ملاحظاتك تحقق ما تريده. فإذا صار الناس يتجنبون مراجعتك، فقد خسرت الشيء الذي تهتم به، وهو أن يتحسن كودهم، لأنهم لم يعودوا يسمعونك. والأمر الجيد أن هذه المشكلة من أسهل المشكلات حلاً إذا اعترفت بها: راجع آخر عشرين تعليقاً كتبتها، وابحث عن أي تعليق يتحدث عن الكاتب وليس عن الكود، وعن أي تعليق لا يذكر البديل، وعدلها في المستقبل.
«شكراً إنك أخبرتني. ما كنت منتبه إن تعليقاتي توصل بهذه الطريقة، وقصدي كان الجودة. راجعت آخر تعليقاتي ولقيت بعضها عن الشخص فعلاً. سوف أغير طريقتي، وأتمنى إذا لاحظت شيئاً بعد أسبوعين تقول لي.»
وهناك حالة قريبة: أن يكون زميلك الصعب يمر بظرف لا تعرفه، مثل ضغط عائلي أو صحي أو مالي، فتغير سلوكه في الأشهر الأخيرة بعد أن كان مختلفاً. وهنا لا تحاول أن تشخص حالته أو تتحدث عن صحته النفسية، فهذا ليس دورك، ولكن يمكنك أن تبدأ المحادثة بسؤال صادق قبل الحد الواضح: «لاحظت إنك مضغوط هالفترة، كل شيء تمام؟». وإذا عرفت أن هناك ظرفاً صعباً فهذا يغير طريقة كلامك، ولكنه لا يلغي حقك في أن يعاملك باحترام، والحد الواضح ما زال مطلوباً، ولكن بلطف أكبر، وربما بتأخير أطول.
سلم التصعيد، والقانون (Escalation)
التصعيد مع زميل صعب يمشي بالترتيب، لأن كل درجة تسأل عن الدرجة التي قبلها: المدير سوف يسأل هل تحدثت معه، والموارد البشرية سوف تسأل هل أخبرت المدير. والاستثناء الوحيد هو الإساءة الصريحة أو التهديد أو التحرش، فهذه تبدأ من الموارد البشرية مباشرة دون محادثة على انفراد، لأنه لا يطلب منك أن تجلس وحدك مع شخص أساء إليك أو هددك.

وعندما تصل إلى المدير أو الموارد البشرية، فاعرف أن نظام العمل السعودي يلزم صاحب العمل في المادة الحادية والستين بأن يعامل عماله بالاحترام اللائق، وأن يمتنع عن كل قول أو فعل يمس كرامتهم ودينهم، ويلزم العامل في المادة الخامسة والستين بأن يلتزم حسن السلوك والأخلاق أثناء العمل. والمخالفات السلوكية بين العاملين وجزاءاتها تنظمها عادة لائحة تنظيم العمل في المنشأة، فاطلبها من الموارد البشرية واقرأ ما فيها قبل أن تقدم شكوى، لأنها تخبرك بالإجراء المتبع ومن يحقق ومتى. وكيف تقدم الشكوى بشكل صحيح، والقنوات خارج الشركة إذا لم تتصرف، مشروحة بالتفصيل في مقال «متى تلجأ إلى الموارد البشرية؟» من نفس المسار، ولن نكررها هنا.
متى يكون الحل أن تغادر الفريق؟ (When to Leave)
قبل أن تفكر في ترك الشركة كلها، فكر في ترك الفريق، لأن الزميل الصعب مشكلة في فريق، وقد لا تكون مشكلة في الشركة. والانتقال الداخلي Internal Transfer خيار مشروع ومهني، وأفضل من البقاء في فريق تتجنب فيه نصف عملك، بشرط أن تطلبه بالطريقة الصحيحة: من مديرك أولاً، وبأسباب مهنية مثل الرغبة في العمل على منتج آخر أو تعلم مجال جديد، وليس بشكوى من زميل، إلا إذا كنت قد صعدت بالفعل ولم يتغير شيء. وتعرف أن الوقت قد حان للانتقال أو المغادرة عندما تجتمع هذه العلامات:
- صعدت بالترتيب الصحيح وبسجل واضح، ولم يتصرف المدير، أو تصرف مؤقتاً ثم عاد السلوك.
- المدير يحمي الزميل لأنه «مهم تقنياً»، ويطلب منك أن تتحمل.
- عوقبت أنت بشكل مباشر أو غير مباشر لأنك اشتكيت، مثل سحب مهام منك أو تقييم أداء Performance Review أسوأ بعد الشكوى.
- السلوك وصل للإهانة أو التهديد، والمنشأة لم تتخذ أي إجراء.
- صار الموقف يؤثر على نومك أو صحتك بشكل مستمر. وإذا وصلت إلى ضيق شديد أو أفكار تقلقك فتحدث مع طبيب أو مختص في الصحة النفسية الآن.
وفي الحالة الثالثة من القائمة، أي إذا عوقبت لأنك اشتكيت، فاكتب ما حدث بالتواريخ، لأن هذا يغير طبيعة القضية من خلاف بين زميلين إلى تعامل المنشأة معك، وله قنوات مختلفة. وطريقة الخروج نفسها، دون أن تخسر سمعتك أو حقوقك، في مقال «متى تترك العمل وكيف تغادر باحترافية».
الأداة: سجل الوقائع في صفحة واحدة (Log Template)
الأداة العملية في هذا المقال سجل من صفحة واحدة، محفوظ في ملف lab/behavior-log.md، تكتبه في نفس يوم الواقعة. وهذه أهم أجزائه:
## الوقائع
| # | التاريخ والوقت | المكان | ماذا حدث بالنص | من حضر | ماذا فعلت أنا | الأثر على العمل | الدليل |
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 1 | | | | | | | |
## المحادثات التي أجريتها
| التاريخ | مع من | ما قلته (الحد الواضح أو الطلب) | ما قاله | ما اتفقنا عليه | رسالة تأكيد؟ |
|---|---|---|---|---|---|
## درجة السلوك (بعد ثلاث وقائع على الأقل، إلا في الإساءة الصريحة)
- [ ] 1 اختلاف في الأسلوب: أتكيف وأسأل.
- [ ] 2 سلوك غير لائق: حد واضح على انفراد.
- [ ] 3 عداء متكرر: المدير المباشر بهذا السجل.
- [ ] 4 إساءة أو تهديد أو تحرش: الموارد البشرية مباشرة.في السجل أعلاه لاحظ التالي:
- عمود «ماذا فعلت أنا» موجود حتى يكون السجل منصفاً، ولأنه يثبت أنك جربت الحد الواضح قبل أن تصعد.
- عمود «الأثر على العمل» هو ما يتحرك له المدير، لأن القرار المؤجل وطلب الدمج المتأخر مشكلات يملكها هو أيضاً.
- جدول المحادثات منفصل عن الوقائع، لأن أول سؤال في أي تصعيد هو «هل تحدثت معه؟»، والجدول يجيب عنه بالتاريخ.
- قرار درجة السلوك يأتي بعد ثلاث وقائع، حتى لا تحكم على شخص من موقف واحد، إلا في الإساءة الصريحة التي لا تحتاج تكراراً.
قائمة تحقق مع زميل صعب (Checklist)
| السؤال | إذا كان الجواب نعم |
|---|---|
| هل يتعامل بنفس الطريقة مع الجميع، ولا يتجاوز الأسلوب المباشر؟ | اختلاف أسلوب: تكيف واسأل عن ما يقصده |
| هل في السلوك سخرية أو مقاطعة أو تعليق على شخصك؟ | جملة الحد الواضح على انفراد، وسجل من اليوم |
| هل تكرر بعد المحادثة، أو صار يعطل عملك؟ | المدير بسجل فيه ثلاث وقائع وطلب محدد |
| هل وصل إلى إهانة أو تهديد أو تحرش؟ | الموارد البشرية مباشرة، والقنوات النظامية إذا لم تتصرف |
| هل قال لك أحد إن ملاحظاتك أنت جارحة؟ | راجع آخر تعليقاتك واعترف وغير الصياغة |
| هل صعدت ولم يتغير شيء، أو عوقبت لأنك اشتكيت؟ | الانتقال الداخلي أو المغادرة المخططة |
ومقالات هذه المرحلة والمرحلة التي تليها تكمل بعضها، فالخلاف التقني الصحي، والفريق المؤذي ككل، لهما مقالات مستقلة:
دليلالخلاف التقني Conflict: كيف تختلف دون أن تخسر زميلكما الفرق بين الخلاف على الحل والخلاف على الشخص، وكيف تنقل النقاش التقني من الآراء إلى قرار مكتوب يلتزم به الجميع.
دليلعلامات الفريق المؤذي Toxic Team: كيف تميزه وماذا تفعلكيف تفرق بين فريق مرهق في فترة صعبة وفريق مؤذ فعلاً، وما الذي تفعله كعضو أو قائد، ومتى تصعد ومتى تحمي نفسك وتغادر.
دليلالشائعات ونسبة جهدك لغيرك Credit Stealing: ماذا تفعل؟كيف ترد على كلام عنك في غيابك وعلى من يعرض عملك باسمه، بعبارات هادئة وأثر مكتوب يجعل عملك مرئياً دون أن تمدح نفسك.
دليلمتى تلجأ إلى الموارد البشرية HR؟ حقوقك في نظام العملما تفعله الموارد البشرية وما لا تفعله، والمواد التي تحتاجها من نظام العمل السعودي، وقنوات الشكوى بالترتيب وكيف تجهز ملفك.
دليلكيف تعطي الملاحظات الصعبة Feedback وتتلقاهالماذا يخفض بعض الملاحظات الأداء بدلاً من أن يرفعه، وكيف تقول الملاحظة الصعبة بوضوح واهتمام وتتلقاها دون أن تدافع.
دليلمتى تترك العمل وكيف تغادر باحترافية Leaving Wellكيف تعرف أن المغادرة هي الحل، وما يقوله نظام العمل عن الإشعار والاستقالة والمكافأة، وكيف تخرج دون أن تخسر حقوقك أو علاقاتك.الخلاصة
وصلنا لنهاية الموضوع، وأهم ما فيه:
- فرق بين اختلاف الأسلوب والسلوك غير اللائق والعداء المتكرر والإساءة، فلكل درجة رد مختلف، والتكرار هو ما ينقل السلوك من درجة لأخرى.
- قلة الاحترام في العمل شائعة ومكلفة، وهي من أكثر أسباب ترك الوظائف التقنية، والتعامل المبكر معها أفضل من الصبر حتى الانفجار.
- في مراجعة الكود اقبل المحتوى الصحيح علناً، وعالج الصياغة على انفراد، واقترح دليلاً مكتوباً للفريق.
- جملة الحد الواضح: ما حدث، أثره، طلب محدد، ثم ما بعده عند التكرار فقط.
- السجل المكتوب بالحقائق وما فعلته أنت هو ما يجعل المدير يتصرف، والتصعيد بالترتيب إلا في الإساءة الصريحة.
- قد تكون أنت الزميل الصعب، والاعتراف وتغيير الصياغة أسهل حل، والانتقال الداخلي خيار مهني قبل ترك الشركة.
سجل التحديثات
- أكتوبر 2026: كتابة المقال، والتحقق من مقال The Price of Incivility في Harvard Business Review، ودراسة Tech Leavers من مركز Kapor، ودليل Google لتعليقات مراجعة الكود، ومواد نظام العمل (61 و65) من موقع هيئة الخبراء، بتاريخ 31 أكتوبر 2026.