تقرأ في خبر صباحي أن «هاكرز» دخلوا أنظمة شركة وسربوا بياناتها، ثم تدخل اجتماع الفريق فتسمع زميلك يقول بفخر إنه قضى الليلة «يهكر» على مشروع جانبي، ثم يصلك إعلان عن «هاكاثون» تنظمه جهة حكومية. ثلاث جمل في يوم واحد، والكلمة نفسها تعني في الأولى جريمة، وفي الثانية مهارة، وفي الثالثة مسابقة برمجة. وإذا أضفت إليها كلمات مثل Geek وNerd التي يصف بها المبرمجون أنفسهم نصف مازحين، وكلمات مثل Script Kiddie وLeet التي تسمعها في مجتمعات الأمن، فسوف تجد أن لغة المبرمجين اليومية مليئة بكلمات لا يعرف أغلبنا من أين جاءت، ولماذا يغضب بعض القدماء عندما تستخدمها بمعنى خاطئ.
والخبر الجيد أن لهذه الكلمات تاريخاً مكتوباً بعناية، كتبه المبرمجون أنفسهم. فمنذ 1975 يحتفظ مجتمع الهاكرز بقاموس خاص اسمه ملف المصطلحات Jargon File، صار لاحقاً كتاباً بعنوان The New Hacker's Dictionary نشرته MIT Press، وما زالت نسخته الأخيرة 4.4.7 منشورة على موقع محرره Eric S. Raymond، وتجد نسخة سنة 2000 منه في مشروع Gutenberg. وهذا القاموس هو مصدرنا الأول في هذه القصة، ومعه وثيقة رسمية من وثائق الإنترنت هي RFC 1392، وكتاب Steven Levy Hackers: Heroes of the Computer Revolution، ونظام مكافحة جرائم المعلوماتية السعودي عندما نصل إلى العربية.
وقد رويت في مقال المهندس الشامل قصة كلمة Hacker في نادي القطارات في MIT بالتفصيل، فلن أعيدها هنا إلا بقدر ما تحتاجه القصة. أما هذا المقال فعن العائلة كلها: الكلمات التي ولدت حول Hacker، وكيف تغير معناها، وكيف نكتبها بالعربية.
وسوف نناقش في هذا المقال ما يلي:
- ملف المصطلحات Jargon File: من كتبه، وكيف صار كتاباً، ولماذا يعتبر المرجع الأول لهذه الكلمات.
- كلمة Hacker بمعانيها السبعة الإيجابية ومعناها الثامن المرفوض، وكيف أخذتها الصحافة في 1983.
- كلمة Cracker التي صنعها الهاكرز ليدافعوا عن كلمتهم، وتعريف الإنترنت الرسمي للكلمتين.
- Geek وNerd: من السيرك وكتب الأطفال إلى أزرار الفخر في MIT.
- ألقاب الخبرة Wizard وGuru، ثم كلمات الطرف الآخر: Script Kiddie وElite وLeet.
- أخلاقيات الهاكر Hacker Ethic، وكيف عاد المعنى الإيجابي في الصناعة اليوم.
- كيف وصلت هذه الكلمات إلى العربية، وكيف تستخدمها في الفريق والأخبار والعقود.
والصورة التالية تجمع المحطات التي سوف نمر عليها:

ملف المصطلحات Jargon File: قاموس كتبه المبرمجون لأنفسهم
كل مجتمع مهني له لغته، والأطباء والمحامون والطيارون لهم كلمات لا يفهمها غيرهم. ولكن ما يميز مجتمع المبرمجين أنه وثق لغته بنفسه، في ملف نصي يتناقله الناس عبر الشبكة منذ السبعينيات. ويروي قسم سجل الإصدارات Revision History في الملف نفسه القصة كاملة، وهي قصة تستحق أن تعرفها.
بدأ الملف Raphael Finkel في جامعة Stanford سنة 1975، كمجموعة من الكلمات التي يستخدمها الناس في مختبرات الذكاء الاصطناعي ومجتمعات حواسيب PDP-10 على شبكة ARPANET. وفي 1976 رأى Mark Crispin إعلاناً عن الملف، فنسخه بأداة FTP إلى MIT، وهناك بدأ هو وGuy L. Steele Jr. يضيفان إليه بسرعة. وبعضهم لاحظ لاحقاً أن الاسم كان يجب أن يكون Slang، أي العامية، وليس Jargon، أي المصطلحات المهنية، ولكن الاسم كان قد انتشر فبقي. واستمر الملف يكبر حتى حوالي 1983، وكان Richard Stallman من أبرز من أضافوا إليه كلمات MIT.

وفي 1983 حرر Guy Steele نسخة متأخرة من الملف مع شروح للقارئ العام، ونشرتها دار Harper & Row كتاباً بعنوان The Hacker's Dictionary. ثم توقف الملف عن النمو، وكان المقصود أن يتجمد مؤقتاً حتى يصدر الكتاب، ولكن الظروف جعلت التجميد دائماً. فمختبر الذكاء الاصطناعي في MIT فقد كثيراً من أفضل مبرمجيه لصالح الشركات الناشئة، ومختبر Stanford توقف تقريباً، وفي أبريل 1983 ألغت شركة DEC مشروع Jupiter الذي كان يفترض أن يكون الجيل التالي من حواسيب PDP-10، فتفرق محررو الملف. ويصف سجل الإصدارات كتاب 1983 بأنه كان «نصباً تذكارياً» لتقليد ظن أصحابه أنه يموت، دون أن يدركوا كم سيكون تأثيره واسعاً.
وبقي الملف متجمداً سبع سنوات، يتناقله الناس كأنه ملحمة قديمة عن «فرسان المختبر». ثم في 12 يونيو 1990 أصدر Eric S. Raymond النسخة 2.1.1، ووصفها سجل الإصدارات بجملة واحدة: الملف يعود إلى الحياة بعد سبع سنوات. ووسع Raymond نطاق الملف من ثقافة PDP-10 والذكاء الاصطناعي إلى كل الثقافات التقنية، فصار أكثر من نصف المداخل من Usenet ومجتمعات C وUnix، مع كلمات من مبرمجي IBM PC وMac وحتى حواسيب IBM المركزية.

وفي 1991 صارت النسخة 2.9.6 النص الأساسي لكتاب The New Hacker's Dictionary من MIT Press، ثم صدرت طبعة ثانية في أغسطس 1993 وطبعة ثالثة في سبتمبر 1996. وآخر نسخة من الملف هي 4.4.7، وقبلها في مايو 2003 حذف المحرر قرابة مائة مدخل قديم لأنها «فشلت في اختبار Google»، أي أن أحداً لم يعد يستخدمها. وهذه قاعدة جميلة لأي قاموس حي: الكلمة التي لا يستخدمها أحد تخرج.
ولماذا يهمك هذا التاريخ؟ لأنه يجعل الملف مرجعاً موثوقاً بطريقة لا يملكها أي قاموس عام. فالكلمات فيه ليست من اختراع لجنة، وإنما جمعها أشخاص استخدموها فعلاً، ووثقوا معها أصلها ومن أين انتشرت. وعندما يختلف معنى كلمة بين المبرمجين والصحافة، كما سنرى مع Hacker، فإن الملف يقول لك بوضوح ما هو معناها عند أصحابها.
الهاكر Hacker: سبعة معان للمهارة
إذا فتحت مدخل Hacker في Jargon File فأول ما تجده هو أصل طريف بين قوسين: الكلمة كانت تعني في الأصل من يصنع الأثاث بالفأس، أي من يعمل بأداة خشنة. ثم تأتي ثمانية معان، سبعة منها عن المهارة والشغف: من يستمتع باستكشاف تفاصيل الأنظمة القابلة للبرمجة وتوسيع قدراتها بعكس أغلب المستخدمين الذين يكتفون بالحد الأدنى، ومن يبرمج بحماس، ومن يقدر الحل البارع، ومن يبرمج بسرعة، والخبير في برنامج معين كما نقول Unix hacker، والخبير المتحمس في أي مجال حتى الفلك، ومن يستمتع بتحدي تجاوز القيود بطريقة مبدعة.

أما المعنى الثامن فيضعه الملف بين قوسين مع كلمة «مرفوض» Deprecated: متطفل خبيث يحاول أن يكشف المعلومات الحساسة بالبحث هنا وهناك، ومنه تعبيرات مثل Password Hacker. ويقول الملف صراحة إن الكلمة الصحيحة لهذا المعنى هي Cracker، وسوف نعود إليها بعد قليل.
وفي نفس المدخل قاعدة اجتماعية لطيفة: من الأفضل أن يصفك الآخرون بأنك هاكر، لا أن تصف أنت نفسك بها. فالهاكرز، كما يقول الملف، يعتبرون أنفسهم نخبة قائمة على المهارة، ولكنها نخبة ترحب بالجدد، ومن يدعي أنه هاكر وهو ليس كذلك يوصف سريعاً بأنه Bogus، أي مزيف. ولاحظ أن هذا عكس ما تراه اليوم في السير الذاتية وحسابات التواصل الاجتماعي، حيث يكتب الناس «هاكر» عن أنفسهم بسهولة.
ومن أين جاءت الكلمة بهذا المعنى؟ يقول الملف إنها تبنتها كشارة فخر في الستينيات ثقافة الهاكرز حول نادي القطارات Tech Model Railroad Club في MIT، وهو نادي طلابي تأسس في العام الدراسي 1946 و1947، ثم حول مختبر الذكاء الاصطناعي في MIT. ويضيف أن هناك تقارير عن استخدام قريب من هذا المعنى بين هواة الراديو والإلكترونيات المراهقين في منتصف الخمسينيات. وفي مدخل TMRC يذكر الملف أن Peter Samson جمع في 1959 قاموساً للغة النادي، ومنه جاءت كلمات صارت أساس لغة الهاكرز مثل foo وfrob. أي أن قاموس المبرمجين له جد أقدم منه بستة عشر عاماً.
الفعل Hack: من العمل السريع إلى المقلب
والطريف أن الفعل Hack نفسه يحمل معنيين متعاكسين في نفس المدخل. فالمعنى الأول هو عمل سريع يؤدي المطلوب ولكن ليس بشكل جيد، والمعنى الثاني عمل رائع، وربما استغرق وقتاً طويلاً، يؤدي المطلوب تماماً. وبين المعنيين معان أخرى: أن تعمل على برنامج فتقول «I hack TECO» بمعنى أن هذا البرنامج هو اهتمامك، وأن تتعامل مع الحاسب بطريقة استكشافية مرحة بدل أن تسعى إلى هدف محدد، وأن تدبر مقلباً. وفي MIT تحديداً كان للكلمة معنى آخر: استكشاف أقبية المباني الكبيرة وأسطحها وأنفاق البخار فيها، وهو ما يسبب الإزعاج لعمال الصيانة وشرطة الحرم الجامعي.
وأنت تستخدم المعنى الأول كل يوم دون أن تنتبه، عندما تقول عن حل مؤقت في الكود إنه Hack، أو تكتب تعليقاً فيه كلمة HACK فوق سطر تعرف أنه ليس الحل الصحيح. والمعنى الثاني هو ما تقصده عندما تقول إن مبرمجاً «هكر» مشكلة صعبة بحل ذكي. وفهم الفرق بينهما يفيدك في مراجعة الكود: Hack بالمعنى الأول دين تقني يجب أن يسجل، وبالمعنى الثاني شيء يستحق أن يشرح لبقية الفريق.
1983: كيف أخذت الصحافة Media الكلمة؟
إلى بداية الثمانينيات كانت كلمة Hacker كلمة داخلية لا يعرفها أغلب الناس. ثم جاءت سنة 1983 وغيرت ذلك. ففي صيف تلك السنة كشف مكتب التحقيقات الفيدرالي مجموعة من المراهقين في مدينة Milwaukee الأمريكية سموا أنفسهم The 414s نسبة إلى رمز الهاتف في مدينتهم، وكانوا قد دخلوا خلال 1982 و1983 عشرات الأنظمة، منها مختبر Los Alamos الوطني ومستشفى Sloan-Kettering للسرطان، وكانت كلها تعمل بنظامي VMS وRSTS/E من شركة DEC، وأغلب ما فعلوه أنهم جربوا كلمات المرور الافتراضية المنشورة في أدلة الشركة نفسها. وفي اقتحامهم لمستشفى Sloan-Kettering في 3 يونيو 1983 حذفوا بالخطأ سجلات فواتير.
وتزامنت القضية مع صدور فيلم WarGames في نفس الصيف، وهو فيلم عن مراهق يدخل حاسباً عسكرياً ويكاد يبدأ حرباً نووية، فقارنت وسائل الإعلام بين القضية والفيلم. وظهر Neal Patrick، أحد أعضاء المجموعة وعمره 17 سنة، على غلاف مجلة Newsweek في 5 سبتمبر 1983، ثم شهد أمام مجلس النواب الأمريكي في 26 سبتمبر عن مخاطر الاختراق، وقدمت في تلك السنة ستة مشاريع قوانين عن جرائم الحاسب. ومن تلك اللحظة صارت كلمة Hacker في الأخبار تعني شيئاً واحداً: من يدخل الأنظمة دون إذن.
ولاحظ هنا المفارقة: ما فعلته المجموعة لم يكن يحتاج أي مهارة من المعاني السبعة الأولى. كانوا يجربون كلمات مرور افتراضية لم يغيرها المسؤولون، وهو خطأ إداري أكثر منه براعة تقنية. وهذه الملاحظة ما زالت صحيحة اليوم، فكثير من «الاختراقات» التي تقرأ عنها سببها كلمة مرور ضعيفة أو خدمة مكشوفة على الإنترنت، وقد كتبنا عن ذلك في مقال من أمن المعلومات إلى الأمن السيبراني.
المخترق Cracker: كلمة صنعها الهاكرز للدفاع عن كلمتهم
رد مجتمع الهاكرز على الصحافة بطريقة مبرمجين: إذا كان هناك معنيان مختلفان، فلنصنع كلمتين. ويقول مدخل Cracker في Jargon File إن الكلمة صاغها الهاكرز في حوالي 1985 دفاعاً عن كلمتهم من سوء الاستخدام الصحفي، وإن محاولة سابقة في 1981 و1982 على Usenet لاستخدام كلمة Worm لهذا المعنى فشلت. ويرجح الملف أن الكلمة لم تأت من «فاتح الخزائن» Safe-Cracker فقط، وإنما أيضاً من معنى قديم في الإنجليزية الوسطى لكلمة Cracker، وهو الشخص المزعج، ويستشهد ببيت من مسرحية King John لشكسبير.
ويرسم المدخل فرقاً اجتماعياً واضحاً بين المجموعتين: الهاكر الحقيقي يتوقع منه أن يكون قد جرب بعض الاختراق بدافع اللعب في بدايته، ولكنه يتجاوز ذلك سريعاً إلا لسبب عملي بريء. والمخترقون يجتمعون في مجموعات صغيرة مغلقة شديدة السرية، بينما مجتمع الهاكرز مفتوح وكبير. ومن العلامات السهلة التي يذكرها الملف للتفريق بينهما أن المخترقين يستخدمون أسماء مستعارة ضخمة تخفي هويتهم، بينما الهاكرز نادراً ما يستخدمون أسماء مستعارة، وإذا استخدموها فللعرض لا للإخفاء.
ثم جاء التعريف الرسمي. ففي يناير 1993 صدرت RFC 1392 بعنوان Internet Users' Glossary، أي قاموس مستخدمي الإنترنت، وفيها تعريفان متجاوران: الهاكر شخص يستمتع بفهم عميق لطريقة عمل نظام ما، والحواسيب والشبكات خصوصاً، والكلمة «تستخدم كثيراً خطأ في سياق سلبي حيث تكون Cracker هي الكلمة الصحيحة». والكراكر فرد يحاول دخول أنظمة الحاسب دون تصريح، وغالباً بنية سيئة بعكس الهاكرز. أي أن الفرق بين الكلمتين ليس رأياً لمجموعة من المبرمجين الغاضبين، وإنما مكتوب في وثيقة من وثائق الإنترنت الرسمية.
وهل نجحت الحملة؟ نصف نجاح. فالصحافة العامة ما زالت تقول Hacker عن المخترق، ولكن داخل الصناعة ما زال المعنى الإيجابي حياً، بل عاد بقوة كما سنرى عندما نتحدث عن الهاكر الأخلاقي والهاكاثون.
Geek: من مؤدي السيرك إلى مهرجانات الفخر
إذا كان أصل Hacker طريفاً، فأصل Geek غريب فعلاً. فحسب مدخلها في Jargon File، كانت الكلمة تعني في الأصل مؤدياً في عروض السيرك المتنقلة يقطع رؤوس الدجاج بأسنانه، وفي اسكتلندا في بداية القرن العشرين كانت تعني صغير نوع من الأسماك. ويقول الملف إن الكلمة كانت سلبية جداً قبل حوالي 1990، وإن النسخ الأولى من الملف نفسه عرفت Computer Geek بأنه من «يأكل الأخطاء البرمجية Bugs ليعيش»، وهو تلاعب بمعنى Bug كحشرة، ووصفته بأنه منعزل شاحب الوجه مهووس بشيء واحد.
ثم تغير المعنى مع تغير العالم. فتعريف الملف الحالي يقول إن الـ Geek شخص اختار التركيز بدل المسايرة، يسعى وراء المهارة، خاصة التقنية، والخيال، لا وراء القبول الاجتماعي العام. ويفسر الملف التحول بأن الثقافة العامة صارت تعتمد على التقنية أكثر فأكثر، فتحولت نظرة الناس إلى احترام متردد، وظهرت مهرجانات Geek Pride. ويضيف ملاحظة دقيقة: أغلب الـ Geeks ماهرون في الحاسب ويعتبرون كلمة Hacker لقب احترام، ولكن ليسوا كلهم هاكرز، وبعض الهاكرز الحقيقيين يسمون أنفسهم Geeks لأنهم يرون أن لقب Hacker يمنحه الآخرون ولا يأخذه الشخص لنفسه.

Nerd: كلمة من كتاب أطفال
أما Nerd فأصلها من مكان لا تتوقعه: كتاب أطفال. فيقول مدخلها في Jargon File إن الكلمة تبدو مأخوذة من أبيات في كتاب If I Ran the Zoo للكاتب Dr. Seuss سنة 1950، حيث يعدد طفل الكائنات الخيالية التي سيحضرها لحديقة الحيوان، ومنها Nerd. ويذكر الملف أن تهجئتي nurd وgnurd كانتا مستخدمتين في MIT، وأن nurd مسجلة هناك منذ 1957.
ثم يقول الملف إن المعنى العام للكلمة، أي الشتيمة لمن لديه ذكاء أعلى من المتوسط ومهارة قليلة في الحديث الاجتماعي والطقوس العادية، دخل الثقافة العامة في بداية السبعينيات، وإن هناك تقارير عن معنى قريب من «المنعزل المزعج» دون إشارة إلى الذكاء في منتصف الستينيات. وبعد حوالي عشر سنوات طور الهاكرز «دفاعاً عن النفس» معنى ثانياً: مديح ساخر لمن يعرف ما هو مهم ومثير حقاً، ولا يهتم بالثرثرة وألعاب المكانة. ويذكر الملف أن بعضهم صار يلبس أزراراً مكتوباً عليها Nerd Pride، نصف مازح، وأنك تجد في MIT أزراراً وحافظات أقلام للجيب Pocket Protectors عليها الشعار وختم الجامعة.
والدرس في قصتي Geek وNerd متشابه: المجتمعات التي توصف بكلمة سلبية تملك خيارين، إما أن تحارب الكلمة، وإما أن تأخذها وتغير معناها. والمبرمجون فعلوا الثاني مع Geek وNerd، والأول مع Hacker عندما صنعوا Cracker، والنتيجة أن الأولى نجحت أكثر من الثانية.
الساحر Wizard والمعلم Guru: ألقاب الخبرة
في كل فريق شخص يلجأ إليه الجميع عندما يتعطل شيء لا يفهمه أحد. ولهذا الشخص في لغة الهاكرز لقبان. الأول Wizard، أي الساحر، ويعرفه Jargon File بأنه من يعرف كيف يعمل برنامج أو جهاز معقد، خاصة من يستطيع أن يجد الأخطاء ويصلحها بسرعة في حالة طوارئ. ويفرق الملف بينه وبين الهاكر بدقة: الهاكر عنده قدرة عامة، أما الساحر فعنده معرفة تفصيلية بشيء محدد، والهاكر الجيد يمكن أن يصبح ساحراً في أي شيء إذا أعطيته وقتاً ليدرسه. ومن معانيه أيضاً خبير Unix، ويقول الملف إن Unix Wizard صار مسمى وظيفياً معروفاً في بعض الشركات. ومن معانيه كذلك من يسمح له بما يمنع على الناس العاديين، أي من يملك صلاحيات المدير في النظام.
والثاني Guru، أي المعلم، وهو في الملف خبير، غالباً في Unix، ولكن الكلمة تعني أكثر من مهارة الساحر: تعني أيضاً تاريخاً من كونه مصدر معرفة للآخرين. أي أن الساحر يحل المشكلة، والمعلم يحلها ويعلمك كيف تحلها في المرة القادمة. وهذا فرق مفيد عندما تفكر في من تحتاج في فريقك: الفريق الذي فيه سحرة فقط يتعطل عندما يغيب الساحر، والفريق الذي فيه معلمون تنتقل فيه المعرفة.
وقد تلاحظ أن كلمة Wizard دخلت واجهات البرامج نفسها، فنوافذ الإعداد التي تقودك خطوة خطوة تسمى Setup Wizard، وتترجم في كثير من الواجهات العربية إلى «المعالج». والفكرة واحدة: شيء يعرف التفاصيل المعقدة ويخفيها عنك.
Script Kiddie: أدنى درجات المخترقين
إذا كان الهاكر يحتقر المخترق، فإن المخترقين أنفسهم يحتقرون فئة أدنى: Script Kiddies. ويعرفهم Jargon File بأنهم أدنى أشكال المخترقين، يعبثون بسكربتات وأدوات Rootkits كتبها غيرهم، وغالباً دون أن يفهموا الثغرة التي يستغلونها. ويضيف أنهم أشخاص بخبرة تقنية محدودة يستخدمون أدوات سهلة جاهزة أو مؤتمتة لتعطيل الأنظمة على الشبكة، وأن ضررهم عادة محدود لأن مجتمع الأمن يعرف أغلب هذه الأدوات.
وللكلمة معنى ثان في الملف يهمك أكثر إذا كنت مبرمجاً: من لا يستطيع البرمجة، ولكنه يصنع صفحات ويب بنسخ أكواد JavaScript من صفحات أخرى. ويعممه الملف إلى كل من يكتب الكود، أو بالأحرى ينسخه ويلصقه، دون أن يملك أو يرغب في أن يملك تصوراً ذهنياً لما يفعله الكود، ويعامل الكود كتعويذة سحرية، وسؤاله الوحيد: ماذا أكتب حتى يحدث هذا؟
وهذا التعريف كتب قبل أكثر من عشرين سنة، ولكنه يبدو اليوم كأنه كتب عن خطر محدد: أن تنسخ الكود من أداة ذكاء اصطناعي دون أن تفهمه. والفرق بين المبرمج والـ Script Kiddie بهذا المعنى ليس في مصدر الكود، فكلنا ننسخ من التوثيق والمنتديات والأدوات، وإنما في سؤال واحد: هل تعرف ماذا يفعل هذا السطر ولماذا؟ وقد كتبنا في مقال مراجعة كود الذكاء الاصطناعي دون أن تصبح شكلية كيف تحافظ على هذا السؤال في فريقك.
من Elite إلى Leet: لغة لوحات الإعلانات BBS
وفي الطرف الآخر من الثقافة نشأت لغة كاملة. ويروي مدخل Elite في Jargon File أن الكلمة كانت تعني «المطلع» أو من هو في الداخل، وأنها ليست من عامية الهاكرز الأصلية، وإنما يستخدمها المخترقون ومجموعات نسخ البرامج، ولذلك لا يستخدمها الهاكرز إلا بسخرية شديدة. وأصلها من لوحات الإعلانات الإلكترونية BBS في بداية الثمانينيات، حيث كانت بعض اللوحات تخفي أقساماً لا يراها إلا المختارون، وفيها غالباً برامج منسوخة بشكل غير قانوني، ومن يصل إلى هذه الأقسام «فائقة السرية» يسمى Elite.

ومن هذه الكلمة جاءت لغة Leet. فيذكر الملف أن تهجئات الكلمة المشوهة عمداً كثيرة، منها l337 وeleet و31337، حيث تستبدل الحروف بأرقام تشبهها. ويصف مدخل Warez d00dz المجموعات التي كانت تنسخ البرامج التجارية وتزيل حمايتها وتتسابق على نشرها قبل غيرها، حتى صار أعلى إنجاز عندهم أن ينشروا البرنامج منسوخاً في نفس يوم صدوره، وهو ما يسمونه 0-day، أي «اليوم صفر». ولاحظ أن هذا التعبير نفسه انتقل لاحقاً إلى عالم الأمن، فثغرة Zero-Day اليوم تعني ثغرة لم يعرف بها صاحب البرنامج قبل استغلالها، أي أنه أمضى صفر أيام في إصلاحها.
ويقول الملف إن الهاكر الحقيقي يقول «wizardly» حيث يقول المخترق «elite»، وإن عكس Elite في هذه اللغة هو Lamer، أي الضعيف الذي لا يفهم. وإذا رأيت اليوم شخصاً يكتب «h4ck3r» بالأرقام في اسمه، فأنت تعرف الآن من أي ثقافة جاء هذا الأسلوب، وماذا كان سيظن به هاكرز MIT القدماء.
أخلاقيات الهاكر Hacker Ethic: معنيان مختلفان
وخلف كل هذه الكلمات فكرة أخلاقية، ويعرفها Jargon File بمعنيين. الأول أن مشاركة المعلومات خير قوي، وأن من الواجب الأخلاقي على الهاكرز أن يشاركوا خبرتهم بكتابة البرمجيات مفتوحة المصدر وتسهيل الوصول إلى المعلومات وموارد الحوسبة متى أمكن. والثاني أن اختراق الأنظمة للمتعة والاستكشاف مقبول أخلاقياً ما دام المخترق لا يسرق ولا يخرب ولا ينتهك السرية.
ويقول الملف إن أغلب الهاكرز يؤمنون بالمعنى الأول ويعملون به، وإن بعضهم يذهب أبعد فيرى أن كل المعلومات يجب أن تكون حرة وأن أي سيطرة احتكارية عليها سيئة، وهذه فلسفة مشروع GNU. أما المعنى الثاني فمختلف عليه، فبعض الناس يرون الاختراق نفسه غير أخلاقي مثل دخول بيت غيرك دون إذن، حتى لو لم يأخذ الداخل شيئاً. ويذكر الملف أن من أعلى أشكال المجاملة عند أصحاب المعنى الثاني أن تدخل نظاماً ثم تشرح لمديره كيف دخلت وكيف يسد الثغرة.
وهنا يجب أن نكون واضحين مع القارئ العربي: المعنى الثاني لم يعد مقبولاً قانونياً في أغلب دول العالم، ومنها المملكة، حتى لو كانت النية حسنة. فالدخول إلى نظام دون إذن مكتوب جريمة، والطريق الصحيح اليوم لمن يحب هذا العمل هو برامج اكتشاف الثغرات Bug Bounty والإفصاح المسؤول Responsible Disclosure واختبار الاختراق بعقد، وكلها تبدأ بالإذن. أما المعنى الأول فهو أساس حركة المصادر المفتوحة كلها، وقد شرحناه في دليل البرمجيات مفتوحة المصدر وتراخيصها، ورأينا في قصة لينوس تورفالدز كيف بني عليه نظام كامل.
عودة المعنى الإيجابي: الهاكر الأخلاقي Ethical Hacker والهاكاثون Hackathon
المثير أن الصناعة نفسها هي التي أعادت للكلمة معناها الإيجابي، ولكن بطريقتها. فشهادة Certified Ethical Hacker من EC-Council، وهي من أشهر شهادات الأمن، تستخدم كلمة Hacker صراحة في اسمها، مع صفة «أخلاقي» تحدد الجهة. أي أن الصناعة لم تختر بين المعنيين، وإنما أضافت كلمة توضح القصد: الهاكر الأخلاقي يفعل ما يفعله المخترق تقنياً، ولكن بإذن وعقد وتقرير. وقد كتبنا عن أدوات هذا العمل في مقال Kali Linux وأدوات الفريق الأحمر.
والكلمة الثانية التي أعادت المعنى الإيجابي هي Hackathon، وهي مزج بين Hack وMarathon، أي سباق برمجة قصير يعمل فيه المشاركون ساعات متواصلة على حلول لمشكلة محددة. ولا علاقة لها بالاختراق إطلاقاً، فالـ Hack فيها بالمعنى الأول والثاني من Jargon File: عمل سريع يؤدي المطلوب، ويطمح إلى أن يكون بارعاً. وفي المملكة صار للكلمة حضور واسع، ومن أشهر أمثلتها هاكاثون الحج 2018 الذي نظمه الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز مع Google، وشارك فيه قرابة 3,000 شخص من أكثر من 20 جنسية لمدة 12 ساعة متواصلة، وسجل رقماً قياسياً في موسوعة غينيس لأكبر هاكاثون في العالم كما ذكر موقع ومضة.
كيف وصلت هذه الكلمات إلى العربية Arabic؟
وصلت هذه الكلمات إلى العربية بطريقين مختلفين، وهذا سبب الخلط الذي يشعر به كثيرون. الطريق الأول هو الصحافة والأخبار المترجمة، وقد نقلت المعنى الثامن وحده، فترجمت Hacker إلى «قرصان» أو «مخترق»، أو كتبتها كما هي «هاكر» بمعنى المجرم. والطريق الثاني هو المبرمجون أنفسهم، الذين تعلموا من المنتديات والكتب والمشاريع مفتوحة المصدر، فأخذوا الكلمة بمعناها الأصلي، وصاروا يقولون «يهكر» بمعنى يعمل على شيء بحماس، و«هاكاثون» بمعنى مسابقة برمجة.
والقانون السعودي حسم الأمر بطريقة ذكية: لم يستخدم الكلمة أصلاً. ففي نظام مكافحة جرائم المعلوماتية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/17 بتاريخ 8/3/1428هـ، الموافق مارس 2007، لا تجد كلمة هاكر ولا قرصنة ولا اختراق، وإنما مصطلحاً وصفياً هو «الدخول غير المشروع»، ويعرفه النظام في مادته الأولى بأنه دخول شخص بطريقة متعمدة إلى حاسب آلي أو موقع إلكتروني أو نظام معلوماتي أو شبكة حاسبات غير مصرح له بالدخول إليها. وتعاقب المادة الثالثة على الدخول غير المشروع إلى موقع إلكتروني لتغيير تصاميمه، وعلى الدخول غير المشروع لتهديد شخص أو ابتزازه، بالسجن مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال أو بإحدى العقوبتين.
وهذا الاختيار يستحق التوقف، لأنه نفس ما فعلته RFC 1392 بطريقة مختلفة: وصف الفعل بدل وصف الشخص. فالقانون لا يهتم إن كنت «هاكراً» بأي معنى، وإنما يسأل سؤالاً واحداً: هل كان دخولك مصرحاً به؟ وهذا بالضبط هو الخط الذي يفصل بين الهاكر الأخلاقي والمخترق، وبين اختبار الاختراق بعقد والجريمة.

أما Geek وNerd فلم تجدا ترجمة عربية مستقرة، والسبب في رأيي أن معناهما ليس في الكلمة نفسها، وإنما في التحول الثقافي الذي مرت به، من الشتيمة إلى الفخر. فإذا ترجمت Nerd إلى «مهووس» خسرت نصف المعنى، وإذا ترجمتها إلى «شغوف» خسرت النصف الآخر. لذلك أنصح بأن تبقيا بالإنجليزية في الكتابة التقنية، كما نفعل مع كلمات مثل Container وPipeline.
كيف تستخدم هذه الكلمات في العمل؟ قائمة قرار Decision Checklist
ولأن الكلمة الخاطئة في المكان الخاطئ قد تسبب سوء فهم حقيقياً، خاصة في الأمن، فهذه قواعد عملية أستخدمها وأنصح بها:
| الموقف | الكلمة المناسبة | لماذا |
|---|---|---|
| تقرير حادثة أمنية أو بلاغ رسمي | «دخول غير مصرح به» أو «مهاجم» | وصف الفعل أدق من وصف الشخص، وهي لغة النظام السعودي |
| عقد اختبار اختراق | «اختبار الاختراق Penetration Testing» و«المختبر» | العقد يحدد الإذن والنطاق، والكلمة يجب أن تعكس ذلك |
| إعلان وظيفة في الأمن | «مختبر اختراق» أو «Ethical Hacker» | كلمة هاكر وحدها قد تخيف القارئ غير التقني |
| حديث داخل فريق التطوير | هاكر، Hack، Geek بحرية | الفريق يعرف المعنى الأصلي، والمزاح جزء من الثقافة |
| تعليق فوق حل مؤقت في الكود | HACK: أو TODO: مع سبب | المعنى الأول لكلمة Hack، وهو دين تقني يجب أن يسجل |
| وصف زميل نسخ كوداً لا يفهمه | لا تستخدم Script Kiddie | الكلمة إهانة، والأفضل أن تسأله: ماذا يفعل هذا السطر؟ |
| خبر للجمهور العام | «مخترقون» أو «مهاجمون» | حتى لا تساهم في تشويه كلمة يستخدمها زملاؤك بمعنى إيجابي |
والدروس التي نراها تستحق أن تبقى من هذه القصة:
- الكلمات تتغير، ولكن أصلها يبقى مفيداً: معرفة أن Hacker كانت لقب مهارة تساعدك على فهم لماذا يغضب بعض الخبراء عندما تستخدمها بمعنى المجرم.
- صف الفعل لا الشخص: RFC 1392 فرقت بين كلمتين، والقانون السعودي تجاوز الكلمتين ووصف الفعل، وهذا أوضح في كل وثيقة رسمية.
- الإذن هو الخط الفاصل: الهاكر الأخلاقي والمخترق يستخدمان نفس الأدوات، والفرق الوحيد إذن مكتوب.
- القاموس الحي يحذف ما مات: Jargon File حذف قرابة مائة مدخل لم يعد أحد يستخدمها، وهذه عادة جيدة لأي قاموس مصطلحات في فريقك.
- Script Kiddie ليس عمن ينسخ الكود، وإنما عمن ينسخه دون أن يفهمه: وهذا السؤال أهم اليوم مع أدوات الذكاء الاصطناعي من أي وقت مضى.
- المعلم Guru أثمن من الساحر Wizard: من يحل المشكلة ويعلم غيره حلها يجعل فريقك أقوى من الذي يحلها وحده.
الخلاصة Summary
- أهم مرجع لكلمات ثقافة المبرمجين هو Jargon File، بدأه Raphael Finkel في Stanford سنة 1975، وحرره Guy Steele في كتاب سنة 1983، وأعاده Eric S. Raymond للحياة في يونيو 1990، ونشرته MIT Press باسم The New Hacker's Dictionary منذ 1991.
- كلمة Hacker لها في الملف سبعة معان عن المهارة والشغف، ومعنى ثامن مرفوض عن المتطفل، وقد أخذت الصحافة المعنى الثامن بعد قضية The 414s سنة 1983.
- صاغ الهاكرز كلمة Cracker في حوالي 1985 للمعنى السلبي، وفرقت بينهما RFC 1392 رسمياً في يناير 1993.
- Geek أصلها مؤدي سيرك وكانت سلبية قبل 1990، وNerd أصلها كتاب Dr. Seuss سنة 1950، وكلتاهما صارتا لقب فخر.
- Wizard من يعرف تفاصيل نظام معين ويصلحه بسرعة، وGuru من يضيف إلى ذلك تعليم الآخرين.
- Script Kiddie من يستخدم أدوات غيره دون فهم، وElite وLeet من ثقافة لوحات BBS ومجموعات نسخ البرامج.
- القانون السعودي لا يستخدم كلمة هاكر، وإنما «الدخول غير المشروع»، ويعاقب عليه في المادة الثالثة بالسجن حتى سنة وغرامة حتى 500 ألف ريال.
وإذا أعجبتك هذه القصة فاقرأ معها المهندس الشامل لقصة نادي TMRC وكلمة Hack بالتفصيل، ومن أمن المعلومات إلى الأمن السيبراني لتاريخ كلمات الأمن الرسمية، وتاريخ العملات الرقمية من Cypherpunks إلى Bitcoin لثقافة قريبة صنعت كلماتها هي أيضاً، وقصة Windows NT وDave Cutler لترى ثقافة مختلفة تماماً داخل شركة كبيرة.
سجل التحديثات Changelog
- أكتوبر 2026: كتابة القصة من مصادرها: Jargon File 4.4.7 وسجل إصداراته، وRFC 1392، وتغطية قضية The 414s، ونظام مكافحة جرائم المعلوماتية السعودي، وصفحة شهادة CEH.